التعليم الموجه بالبيانات Data-Driven Instruction في مؤسسات التعليم قبل الجامعي

Dr. M. Gawdat د. مصطفى جودت

Dr. M. Gawdat
د. مصطفى جودت

هناك مثال قديم مفاده أن “الصورة تساوي ألف كلمة ” وهذا كلام صحيح أحيانا لكن في مجال التعليم ، فإن المعلومة دائما ما تملا مجلدات Information Speaks Volumes ، وبالتالي فإنه لا يمكن أن نعبر بالصورة فقط عما نريده . إن المعلم في بيئة التدريس الصفي يحتاج إلى ما يمثل له تغذية راجعة توجه اداؤه التدريسي وتحفزه نحو اتخاذ قرارات بعينها والاحجام عن قرارات أخرى وفقا لما يجده من ردود أفعال ظاهرة وغير ظاهرة من طلابه. والمعلم القدير هو من يستطيع أن يقرأ وجوه طلابه ويتنبأ بردود أفعالكم ، لكن وكما أنه ليس دائما الصورة خير من الكلمة ، فإن قراءة الوجوه وتوقع أداء الطلاب ليس دائما الوسيلة المثلى لتوجيه التدريس.

إن تعامل المعلم مع طلابه ينتج عنه كم من البيانات مثل نتائج الاختبارات الشهرية ، وتقارير الأداء ، وحتى سجلات الحضور كلها بينات تنتج من الممارسات التدريسية في البيئة الصفية ، فهل يمكن اعتبار هذه البيانات مؤشرات موجهة لعملية التدريس ، وكيف يتم الاستفادة منها ؟

ثمة مفهوم برز في السنوات الماضية هو التعليم الموجه بالبيانات أو Data Driven Instruction والذي شهد دفعة قوية عام 2002 بصدور قانون يحتم الحق بالتعلم والذي عرف اختصارا بعد تر أي طفل “No Child Behind ” عندما نذكر التعليم الموجه بالبيانات يقع الكثير من نوع من التشتت حيث ينظر البعض على أنه استراتيجية تدريسية ، وينظر إليه البعض الآخر على أنه إجراءات لتحقيق جودة التدريس أو زيادة فاعليته . ورغم أن التدريس الموجه بالبيانات ليس جديدا إلا أن المفهوم والمعالجات المستخدمة معه قدمته في ثوب جديد للمجتمع التعليمي.

في البداية ، فإنه ينظر للتدريس الموجه بالبيانت DDI باعتباره طريقة لجمع بيانات الطلاب بالطريقة التي توجه قراراتهم المرتبطة بتعليم هؤلاء الطلاب. وهو ليس طريقة للتدريس ولا منهجا للبحث العلمي بل مدخلا لتوظيف البيانات لدعم التدريس وتوجيهه. يقوم التدريس الموجه بالبيانات على أنه عندما يستخدم التربويون البيانات لتوجه خططهم التدريسية وقراراتهم التربوية ، فإنهم يكونون أكثر وعيا بأساليب الاستجابة للمشكلات المختلفة ، وبناء طرق جديدة للتدريس ويكونون أكثر قدرة كذلك على تنمية مهارات الطلاب بشكل اسرع.

أنه من السهل أن يلام المعلم لعدم استخدامه بيانات التدريس في تعديل تدريسه وتوجيهه ، وأن نتهم المعلم بعدم استخدام طرقا تدريسية تبنى على ما لديه من بيانات ، لكن لو تتبعنا مسببات ذلك لأمكن أن نرده إلى خوف المعلم من التعامل مع البيانات أو يسميه علماء المعلومات بـ “مهابة البيانات” ، لكن السبب الحقيقي أكثر تعقيدافي واقع الأمر، ولا يمكن أن يظهر إلا إذا عالجنا أسباب تراجع التعليم ولماذا لا نستخدم التعليم المبني على البيانات .

ddi1يختلف التربويون في تفسيرهم لعدم استخدام البيانات في توجيه التدريس ، فهم لا يتفقون مع مقولة ” مهابة البيانات ” فالمعلم من وجهة نظرهم يستخدم أدوات جمع البيانات وأساليب تحليلها لمتابعة طلابه بشكل دوري ، وأغلب هذه الطرق بسيطة وتعتمد على ملاحظة التذبذب في درجات الطلاب ، واختلاف مستوياتهم ومهاراتهم الأساسية مثل القراءة واستخدام الحاسب ، ورغم أن هذه الأساليب بسيطة لكنها تمد المعلم بالبيانات الأساسية التي يحتاجها لتخطيط التدريس . فإذا كان هذا يحدث فعليا بالمدارس فما الأسباب التي تدعو إلى توظيف التعليم الموجه بالبيانات DDI وما الأسباب التي تعيق هذا التوظيف ؟

يمكن تلخيص بعض العوامل التي قد تؤثر سلبا في توظيف التعليم الموجه بالبيانات DDI ؟

1. الحاجة لضبط البيانات مما يكسبها المصداقية : رغم أننا نقوم بجمع بيانات التدريس وتوثيقها منذ مئات التدريس إلا أننا بحاجة لضبط تلك البيانات بالشكل إلى يكسبها المصداقية ، فإن جمع بيانات موثوق فيها يتطلب درجة من الضبط لأدوات وطرق جمع البيانات مما يجعل الناس يسترحون إلى النتائج التي يتم التوصل إليها.

2. التفرغ للعمل : إن استخراج المعنى من هذه البيانات يتطلب عملا بدوام كامل ، فحتى لو أنك كمعلم أو كمدير مدرسة قد أدرت نظاما لجمع البيانات، فإن تحليل هذه البيانات يستهل كثير من الوقت والجهد ويتطلب مهارات متقدمة فضلا عن التكلفة المتفعة التي لا يستطيع معلم أن يتحملها منفردا، فكثير من المدارس تفتقد إلى الأدوات اللازمة لتحليل البيانات فضلا عن نقص الموارد والتدريب اللازم للاستفادة من البيانات التي يتم جمعها.

3. كثرة البيانات : إن تراكم البيانات عبر السنوات الدراسية يجعل منها كما ضخما يصعب التعامل معه ، من جهة أخرى فإن هناك مقولة مفادها أن المدرسة تجمع أكثر مما يمكنها استغلاله من البيانات. إن الإفراط في جمع البيانات وتضارب بعضها البعض يصعب من خلاله تحديد أولوية تحليل المعلومات وإحداث تغييرات على المنهج وطرق التدريس المتبعة.

4. عدم إدراك قيمة البيانات المجمة : للاسف رغم كثرة البيانات المجمعة فإنه لا يتم إدراك قيمتها الحقيقية ، فلو سألنا على سبيل المثال عن درجات الطلاب منذ خمس سنوات لوجدناها في أرشيف “الكنترول” كبيانات خام وأن التحليل الوحيد الذي أجري عليها كان لاستخراج ترتيب الطلاب الأوائل ، ماذا لو سألنا عن بيانات من عشر سنوات وطلبنا مقارنة أداءات الطلاب في المواد العملية خلال السنوات العشر الماضية ، سنجد ببساطة أن معظم البينات القديمة قد تم محوها أو التخلص من أصولها بدعوى عدم الحاجة إليها .

 

إذا كيف يمكن الاستغلال الجيد للبيانات وتطبيق التعليم الموجه بالبيانات ؟

من حسن الحظ أن هناك طريقا يمكن من خلالها للقطاع المدرسي والإداريين والتربويين أن يتعاونوا لتطبيق التعليم الموجه بالبيانات في عدد أكبر من الفصول الدراسية بما يعود بالنفع والخبرة العملية على باقي المعلمين والطلاب ، ويمكن مراعاة ما يلي حتى نحقق منفعه أكبر من البيانات في التعليم .

  1. استخدام طريقا بسيطة وواضحة لجمع البيانات : من ذلك سجلات الحضور ، درجات الطلاب ، تقييمات الموجهين .
  2. أستخدم أدوات معيارية مقننة : كثيرا ما تتيح الجهات المسئولة عن التعليم أدوات معيارية لجمع البيانات مثل مقاييس الاتجاهات ، واختبارات الذكاء ، واختبارات القدرة على القراءة مثل هذه الأدوات تعطي نتائج أكثر مصداقية .
  3. إبدا بفصل أو فصلين ولا تحاول إبدا أن تبدأ بقطاع عريض وقم يتنية مستوى التغطية شيئا فشيئا. مثلا ، لو أردت تطوير استراتيجية تدريسية معينة ، قم بتجريبها على فصل واحد واحسب التقدم في الجوانب المهارية ، وآراء الطلاب وبناءا عليه قم بتعديلها لتصل إلى المستوى المطلوب قبل تعميمها وإعادة القياس على نطاق أوسع.
  4. حلل ما تقوم بجمعه من بيانات: بناءا عل ما تجمع وتحلل من بيانات ستتأثر خطواتك القادمة. فالتحليل هو الذي يكسب البيانات المعنى والمعلم القدير هو من يستطيع استخراج معاني عدة ونتائج متعددة مما يتاح لديه من بيانات.
  5. أشرك طلابك واطلعهم على البيانات: من المهم إشراك الطلاب وإطلاعهم دوريا عما يتم جمعه من البيانات ، وأخذ مقترحاتهم نحو تحسين النتائج ، مثلا لو أنك شكلت فرق نوادي العلوم وقمت بتجميع بيانات إنجازهم الدورية ، فإن إطلاع المجموعات المختلفة على تلك البيانات يساعدهم على تحسين من أداءهم ، كما أن إشراكهم في اتخاذ القرار يساعد على تحسين نتائج التعلم .
  6. أحرز تقدمات مرئية : تتبع التقدم الحاصل في البيانات المجمعة دوريا من خلال منحنيات بيانية يتم تحديثه دوريا وإطلاع الطلاب عليه ليحصلوا على نوع من التغذية الراجعة بمشاهدتهم لمعدلات تقدمهم ، مما يشكل دافعا لهم نحو مزيدا من الإنجاز ، فبغض النظر عن الأهداف المراد إنجازها ، فإن إطلاع الطلاب دوريا عما تم إنجازه منها يعينهم على إنجاز باقي الأهداف.
    ddi2
  7. تعامل مع النتائج بشفافية : من المهم أن يتم التعامل مع البينات وتحليلها بشفافية ، مثلا لو أنك شكلت فرقا للتعليم التعاوني فلابد من عرض نتائج تقييم الزملاء في فرق العمل على الطلاب “دون تحديد أصحاب التقييم ” وهذا يساعد الطالب على أن يحسن من أداؤه في الفريق في ضوء رؤى زملاء فريق العمل. كذلك لابد من عرض بينات الفرق بعضها البعض ، مثلا لو أنك اعددت فرقا تنافسية لدراسة دورة حياة الخلية خلال أسبوع ، فإنك ستحتاج إلى عرض يومي لبيانات أداء الفرق وصولا ليوم تسليم العمل، إن عرض هذه البيانات يحسن من أداء الفرق الأخرى.

كلمة أخيرة :

إن توجيه التعليم بالبيانات لم يعد خيارا في عصر تسارعت فيه وتيرة الحياة وتزايدت فيه وسائل التعليم وطرقه واستراتيجياته ، وكما يتم اتخاذ القرار مدعوما بدراسات معلوماتية ، فإن المعلم في نطاق الصف الدراسي يحتاج إلى اخاذ قرارات نحو تعديل طريقة تدريسه والوسائل التي يستخدمها في ضوء البيانات الناتجة عن هذا التدريس ، المعلم يجب أن يحلل ما يرده من بيانات يتم تجميعها تلقائيا أثناء ممارسته للتدريس ، كما يجب أن يستخدم أدوات منضبطة لجمع اي بيانات أخرى يحتاجها للحكم على تدريسه. أخيرا يجب تدريب المعلمين حول كيفية تحليل بياناتهم وأن يكسبوها معنى يساعد على تحسين عملية التدريس.

المصادر :

http://gettingsmart.com/2014/07/6-ways-promote-data-driven-instruction-k-12-schools/

http://www.sedl.org/pubs/sedl-letter/v22n02/using-data.html

Wayman, J. C. (2005). Involving teachers in data-driven decision-making: Using computer data systems to support teacher inquiry and reflection. Journal of Education for Students Placed at Risk, 10(3), 295–308.

 

Comments

Comments

error: Content is protected !!
%d مدونون معجبون بهذه:
التخطي إلى شريط الأدوات