خريطة كفاءات التعلم والتطوير

شرح وتعليق : د. مصطفى جودت صالح

شهدت وظيفة التعلم والتطوير (Learning & Development – L&D) تحولًا جوهريًا خلال السنوات الأخيرة. فلم تعد مسؤولية وحدات التدريب مقتصرة على تحديد الاحتياجات التدريبية، وإعداد الحقائب، وتصميم المقررات الإلكترونية، وتنفيذ البرامج وقياس رضا المتدربين. ومع التحولات الرقمية المتسارعة، وظهور الذكاء الاصطناعي، وتغير طبيعة الوظائف والمهارات، أصبح مطلوبًا من متخصصي التعلم والتطوير أن يعملوا بوصفهم مصممين للتعلم، ومستشارين للأداء، وقادة للفرق، واستراتيجيين، وشركاء في تحقيق أهداف المؤسسة.

وتقدم خريطة L&D Competencies Map إطارًا مفاهيميًا مهمًا لفهم هذا التحول؛ إذ تنظر إلى كفاءات التعلم والتطوير من خلال خمسة مجالات رئيسة هي: التصميم، والاستشارة، ووضع الاستراتيجية، والقيادة، والتنفيذ. ولا تعمل هذه المجالات بصورة منفصلة، وإنما تتكامل لتشكّل منظومة مهنية متكاملة تتجاوز مفهوم «إنتاج التدريب» إلى مفهوم أوسع هو تطوير التعلم والأداء المؤسسي.

Learning & Development – L&D
L&D Competencies Map

لماذا نحتاج إلى إعادة تعريف كفاءات متخصص التعلم والتطوير؟

كان النموذج التقليدي للتدريب الالكتروني ينطلق غالبًا من سؤال: ما الدورة التدريبية التي نحتاج إلى تقديمها؟ ثم تبدأ عملية تحديد الموضوعات، وإعداد المحتوى، وتصميم الحقيبة، وتنفيذ البرنامج، وأخيرًا قياس رضا المستفيدين.

غير أن هذا النموذج يفترض ضمنيًا أن التدريب هو الحل الرئيس للمشكلات المرتبطة بالأداء. وهذه فرضية ليست صحيحة دائمًا. فقد تكون المشكلة ناتجة عن نقص المعرفة أو المهارة، ولكنها قد تكون أيضًا نتيجة ضعف الإجراءات، أو قصور الأنظمة، أو غموض المسؤوليات، أو ضعف الأدوات، أو غياب الحوافز، أو مشكلات في بيئة العمل.

لذلك فإن النضج الحقيقي لوظيفة التعلم والتطوير يبدأ عندما تنتقل من السؤال:

ما التدريب الذي يمكن أن نقدمه؟

إلى أسئلة أكثر ارتباطًا بالأداء:

  • ما المشكلة التي تواجه المؤسسة؟
  • ما أسبابها؟
  • هل يمثل التعلم جزءًا من الحل؟
  • ما نوع التعلم المطلوب؟
  • وكيف يمكن قياس أثر الحل بعد تطبيقه؟

ومن هنا تأتي أهمية خريطة الكفاءات؛ لأنها لا تنظر إلى متخصص التعليم والتطوير L&D باعتباره منتجًا للمحتوى، وإنما باعتباره عنصرًا في منظومة أوسع لتطوير الأفراد والمؤسسة.

التصميم Designing — من إنتاج المحتوى إلى تصميم خبرة التعلم

يمثل التصميم أحد المجالات الأساسية في خريطة الكفاءات، لكنه لا يعني مجرد تصميم شرائح PowerPoint أو تحويل مادة تدريبية إلى مقرر إلكتروني.

ويتضمن هذا المجال ثلاث كفاءات أساسية:

التصميم التشاركي لخبرات التعلم

يشير مفهوم التصميم التشاركي لخبرات التعلم (Co-designing Learning Experiences) إلى منهجية تعليمية وتصميمية يتحول فيها المتعلمون من مجرد متلقين أو مستخدمين نهائيين للمحتوى، إلى شركاء فاعلين في عملية صنع القرار وبناء رحلة التعلم الخاصة بهم. تعتمد هذه المقاربة على التعاون المباشر بين المصممين التعليميين، وخبراء المحتوى، والطلاب لابتكار بيئات وأنشطة تعليمية تلبي الاحتياجات الفعلية والسياق الخاص بالمتعلمين.

وهذا مهم بصورة خاصة في التعليم والتدريب الجامعي؛ لأن المقرر الإلكتروني الناجح لا يعتمد فقط على جودة المحتوى الأكاديمي، بل على مدى ملاءمته للمتعلمين، وطبيعة أهداف التعلم، وخصائص البيئة الرقمية، وإمكانات نظام إدارة التعلم.

وبالتالي فإن التصميم ينبغي أن يشمل رحلة المتعلم كاملة: قبل التعلم، وأثناءه، وبعده، وليس المحتوى التعليمي وحده.

تطبيق علم التعلم

يمثل مبدأ تطبيق مبادئ علم التعلم Applying Learning Science انتقالًا من التصميم القائم على الحدس والخبرة الشخصية إلى التصميم المبني على مبادئ علم التعلم. ويشمل ذلك مراعاة مفاهيم مثل الحمل المعرفي، والتعلم النشط، والاسترجاع، والتكرار المتباعد، والتغذية الراجعة، والدافعية، والتعلم بالممارسة، والتعلم الاجتماعي.

ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن تحويل محاضرة تقليدية إلى فيديو أو ملف PDF يعني أننا أنشأنا تعلمًا إلكترونيًا فعالًا. فالتحول الرقمي للمحتوى لا يعني بالضرورة تحولًا في خبرة التعلم.

استخدام التكنولوجيا

أما استخدام التكنولوجيا Using Technology فيشير إلى قدرة متخصص التعليم والتطوير L&D على اختيار التكنولوجيا الانسب للموقف التعليمي وتوظيفها بصورة تخدم الهدف التعليمي. وتدرج هذه التكنولوجيا من بيئة التعلم ككل إلى الممارسات التكنولوجية المختلفة وعناصر بناء المحتوى مثل الفيديو التفاعلي، والمحاكاة، والتعلم التكيفي، والتحليلات التعليمية، والذكاء الاصطناعي التوليدي، وتقنيات الواقع الممتد، ومعايير مثل SCORM وxAPI وغيرها.

لكن القيمة المهنية لا تتمثل في معرفة أكبر عدد من الأدوات، بل في القدرة على الإجابة عن سؤال جوهري:

ما التكنولوجيا المناسبة لهذه المشكلة التعليمية، ولماذا؟

الاستشارة Consulting

تمثل الاستشارة تحولًا مهمًا في هوية وظيفة التعلم والتطوير. فالمتخصص هنا لا ينتظر من الإدارة أن تطلب «دورة»، وإنما يشارك في تحليل المشكلة واقتراح الحل المناسب.

ويتكون هذا المجال من ثلاث كفاءات:

فهم أصحاب المصلحة

تبدأ الاستشارة بفهم أصحاب المصلحة، بما في ذلك الإدارة، والخبراء، والموظفون، والمتعلمون، والجهات الداعمة، ومستخدمي الأنظمة.

ويحتاج متخصص L&D إلى فهم اختلاف احتياجات كل طرف؛ فقد تبحث الإدارة عن تحسين الأداء، بينما يهتم المتعلم بسهولة الاستخدام، ويركز الخبير على الدقة العلمية، بينما يهتم فريق التقنية بالاستقرار والتكامل.

المشاركة في ابتكار الحلول

يُجسد مفهوم “المشاركة في ابتكار الحلول” (Co-creating Solutions) تحولاً استراتيجياً في دور إدارات التعلم والتطوير، حيث لا تُفرض الحلول بشكل أحادي أو جاهز من أعلى الهرم الإداري، بل تُبنى من خلال شراكة حقيقية وتعاون وثيق مع أصحاب المصلحة والجهات المعنية. يضمن هذا النهج التشاركي أن تكون التدخلات المقترحة متوافقة تماماً مع السياق الفعلي للعمل، ومبنية على فهم عميق ومتعدد الزوايا للتحديات التي يواجهها الموظفون، مما يعزز من قبولهم للحلول المطروحة ويضمن ارتباطها الوثيق بالأهداف التشغيلية للمؤسسة.

ويبرز هذا التوجه الأهمية القصوى لمرحلة “التشخيص” الدقيق للمشكلات قبل القفز إلى تصميم مسارات التعلم، حيث تتسع عدسة المعالجة لتتجاوز الفكرة التقليدية التي تعتبر التدريب علاجاً لكل فجوة في الأداء. من خلال هذا التشخيص التعاوني، قد يتضح أن التحدي لا يرتبط بنقص المهارة بل ببيئة العمل نفسها، مما يستدعي تدخلات مختلفة ومرنة مثل تصميم دليل إجرائي مرجعي، أو توفير فيديو إرشادي قصير، أو بناء قاعدة معرفية، أو حتى إعادة هندسة النظام وتحسين سير العمل؛ وبذلك، يتراجع التدريب من كونه الحل الافتراضي الوحيد ليصبح مجرد خيار واحد ضمن أدوات متنوعة تستهدف تمكين الأداء الحقيقي.

تمكين التنفيذ

يُمثل مفهوم “تمكين التنفيذ” (Enabling Action) تحولاً جوهرياً في فلسفة تصميم خبرات التعلم والتدريب المؤسسي، حيث ينقل التركيز من مجرد الاستيعاب المعرفي إلى ضمان القدرة الفعلية على التطبيق في بيئة العمل. لا يقتصر هذا التوجه على تزويد المتعلم أو الموظف بالمعلومات، بل يمتد ليشمل تهيئة السياق الداعم، وتوفير الأدوات والممارسات التي تحوله من متلقٍ للمحتوى إلى ممارس قادر على ترجمة ما تعلمه إلى سلوكيات وإجراءات مهنية ملموسة تعالج تحديات العمل الحقيقية.

ونتيجة لهذا التوجه، تتغير جذرياً منهجيات تقييم نجاح البرامج التدريبية لتتجاوز المقاييس التقليدية السطحية (Vanity Metrics) مثل معدلات الحضور، أو ساعات التدريب، أو نسب إنجاز المقررات. يصبح المعيار الحقيقي لنجاح التصميم التعليمي هو قياس “انتقال أثر التعلم” (Transfer of Learning) ومدى انعكاسه الفعلي على سد فجوات الأداء وتحسين المخرجات. فالقيمة الحقيقية والنهائية لأي برنامج لا تتحقق بمجرد إتمامه، بل تتجلى فقط عندما تتحول المكتسبات المعرفية والمهارية إلى ممارسة يومية مستدامة تُحدث تأثيراً إيجابياً وقابلاً للقياس في واقع الأداء الفردي والمؤسسي.

الاستراتيجية Strategizing — ربط التعلم بأهداف المؤسسة

يُعد تبني “الاستراتيجية” (Strategizing) في قطاع التعلم والتطوير (L&D) تحولاً جذرياً ينقل دور الإدارة من مجرد منفذ تكتيكي يركز على جدولة البرامج التدريبية وإدارتها، إلى شريك استراتيجي يربط المبادرات التعليمية بشكل مباشر وموثق بالأهداف الكلية للمؤسسة ومؤشرات أدائها (KPIs). يعني هذا التحول التخلي عن النظرة التقليدية للتدريب كنشاط روتيني منعزل أو غاية في حد ذاته، ليصبح أداة تمكين موجهة بدقة لسد فجوات الأداء الحقيقية، واستباق التحديات التشغيلية، ودعم خطط النمو، مما يضمن تحويل ميزانيات التعلم إلى استثمار حقيقي ذي عائد ملموس (ROI) يُعزز من تنافسية المنظومة وكفاءة رأس مالها البشري.

وتتضمن الاستراتيجية ثلاث كفاءات:

معرفة الأعمال

تشير معرفة الاعمال Knowing the Business إلى ضرورة أن يفهم متخصص التعلم والتطوير المؤسسة التي يعمل فيها، واستراتيجيتها، وتحدياتها، وأهدافها، ومؤشرات أدائها.

وفي البيئة الجامعية، يعني ذلك فهم استراتيجية الجامعة، وأهداف الكليات، واحتياجات أعضاء هيئة التدريس والموظفين، والتحول الرقمي، ومتطلبات الجودة والاعتماد، والمهارات المستقبلية.

تشكيل الاستراتيجية

يقصد بتشكيل الاستراتيجية Shaping the Strategy أن تكون إدارة التعلم والتطوير جزءًا من عملية بناء الاستراتيجية، وليس مجرد جهة تنفيذية لها.

فعندما تحدد المؤسسة هدفًا للتحول الرقمي، مثلًا، فإن دور التعلم والتطوير L&D لا ينبغي أن يبدأ بعد اتخاذ القرار من خلال إعداد دورة تدريبية، بل يمكن أن يشارك منذ البداية في تحديد المهارات المطلوبة، وتحليل الفجوات، وبناء خارطة التعلم.

قياس الأثر

يُبرز مفهوم “قياس الأثر” النضج الحقيقي لوظيفة التعلم والتطوير (L&D)، وينقل التركيز من تقييم “جهود” إدارة التدريب إلى تقييم “القيمة” التي أضافتها للمنظومة. تاريخياً، اكتفت العديد من المؤسسات بتتبع مقاييس تشغيلية وسطحية (Vanity Metrics) مثل نسب الحضور، وساعات التدريب، وتقييمات الرضا الفورية، نظراً لسهولة جمعها. إلا أن هذه المؤشرات لا تقدم دليلاً حقيقياً على حدوث تعلم فعّال أو تغير في السلوك. التحدي الأكبر والأكثر أهمية يكمن في تتبع المتعلم بعد عودته لبيئة العمل لقياس مستوى “نقل أثر التعلم” (Learning Transfer)، وإثبات أن التدخل التعليمي قد تُرجم بالفعل إلى كفاءات تطبيقية تعالج تحديات العمل.

“القياس ينتقل من مؤشرات النشاط (Activity Metrics) إلى مؤشرات النتائج والأثر (Outcome and Impact Metrics) أو مؤشرات الأداء (Performance Metrics)“.

لذلك، فإن التركيز على مؤشرات الأثر (مثل خفض معدل الأخطاء التشغيلية، تسريع وقت الإنجاز، ورفع جودة الخدمة) يمثل تطبيقاً عملياً للمستويات العليا من التقييم (مثل المستويين الثالث والرابع في نموذج كيركباتريك، ومقاييس العائد على الاستثمار ROI). هذا التحول الجذري في منهجية القياس يغير موقع إدارة التعلم والتطوير في الهيكل المؤسسي؛ فبدلاً من النظر إليها كـ “مركز تكلفة” (Cost Center) يُعنى بتنفيذ الأنشطة فقط، تتحول إلى شريك استراتيجي و”مركز استثمار” (Investment Center) يُسهم بشكل مباشر، وقابل للقياس الرقمي، في تحقيق الأهداف الاستراتيجية ودفع عجلة الإنتاجية في المؤسسة.

القيادة Leading — بناء القدرات بدلًا من إدارة الأفراد فقط

لا يمكن لوحدة تعلم وتطوير متقدمة أن تعتمد على فرد متميز أو مجموعة محدودة من الخبراء؛ بل تحتاج إلى بناء فرق عالية الأداء.

وتتضمن كفاءات القيادة ثلاث ممارسات:

تمكين الأفراد

يُمثل “تمكين الأفراد” (Empowering Individuals) انتقالاً استراتيجياً في ثقافة الإدارة من الرقابة الدقيقة (Micromanagement) إلى بناء بيئة عمل قائمة على الثقة والاستقلالية. لا يقتصر التمكين على مجرد تفويض المهام، بل يتطلب تزويد فرق العمل بالصلاحيات الكافية لاتخاذ القرارات، والأدوات التقنية الحديثة، والموارد المعرفية التي تتيح لهم أداء أدوارهم بمرونة وابتكار. هذا النهج يضمن تحويل أعضاء الفريق من مجرد منفذين للتعليمات إلى قادة مبادرين قادرين على حل المشكلات اللحظية، وتجاوز العقبات، وتطوير مسارات العمل بشكل ذاتي وفعال.

وفي سياق فرق تطوير المحتوى الرقمي التعليمي، يتجلى هذا التمكين في منح الخبراء—من مصممي التعليم، ومطوري الوسائط والذكاء الاصطناعي، ومراقبي الجودة—مساحة من الحرية الإبداعية والتقنية لاختيار المنهجيات والأدوات الأنسب لإنجاز مشاريعهم. عندما يمتلك هذا الفريق المتنوع صلاحية اتخاذ القرارات المتعلقة بتصميم السيناريوهات، أو دمج التقنيات الناشئة، أو اعتماد آليات ضبط الجودة دون انتظار موافقات بيروقراطية مطولة، فإن ذلك يسرع من دورة الإنتاج (Agile Development)، ويقلل من الاختناقات التشغيلية، ويرفع بشكل ملحوظ من جودة وتأثير خبرات التعلم الرقمية المُنتجة.

تطوير الفرق

يُشير مفهوم “تطوير الفرق” (Developing Teams) إلى التوجه الاستراتيجي نحو البناء المستمر لقدرات ومهارات أعضاء الفريق، بحيث يندمج التطور المهني والتعلم بسلاسة ضمن تدفق العمل اليومي بدلاً من اعتباره نشاطاً تدريبياً معزولاً أو متقطعاً. وتتعاظم الأهمية الحاسمة لهذه الكفاءة في بيئات العمل المعاصرة نظراً للوتيرة المتسارعة في تحديث أدوات الذكاء الاصطناعي وتقنيات إنتاج المحتوى الرقمي، مما يُحتم على المنظومات تبني ثقافة التعلم المستمر والرشيق للعمل بفاعلية؛ لضمان بقاء فرقها في طليعة الابتكار، وتمكينهم من استيعاب وتوظيف التقنيات الناشئة فور ظهورها، وهو ما ينعكس مباشرة على استدامة الكفاءة التشغيلية ورفع جودة وسرعة الإنتاج في ظل التغيرات التكنولوجية المتلاحقة.

إدارة الأداء

يُعد مفهوم “إدارة الأداء” (Managing Performance) انتقالاً من التقييمات العشوائية أو الانطباعات الذاتية إلى بناء إطار موضوعي يعتمد على ترجمة التوقعات الاستراتيجية والأهداف الكلية إلى مؤشرات أداء رئيسية (KPIs) واضحة، ومحددة، وقابلة للقياس الرقمي. لا يقتصر هذا المفهوم على المراجعة الدورية لعمل الموظفين، بل يمثل عملية مستمرة من التوجيه والمتابعة التي تضمن وضوح الرؤية لدى كافة أعضاء الفريق، بحيث يدرك كل فرد بدقة ما يعنيه “النجاح” في مهامه اليومية، وكيف تسهم إنجازاته الفردية في تحقيق أهداف المنظومة.

وفي سياق وحدات إنتاج المحتوى الرقمي والتصميم التعليمي، تتجلى إدارة الأداء الفعالة في وضع معايير دقيقة لدورة حياة تطوير المقررات الإلكترونية؛ مثل قياس الالتزام بالخطط الزمنية المرنة (Agile Sprints)، وكفاءة استخدام أدوات التأليف، ومدى التطابق مع مقاييس الجودة الأكاديمية (مثل معايير Quality Matters). من خلال تحويل التوقعات الفضفاضة إلى أرقام ومعايير واضحة لتقييم جودة وسرعة الإنتاج، يتحول دور القيادة من مجرد المراقبة إلى التوجيه القائم على البيانات، مما يسهل اكتشاف الاختناقات في سير العمل مبكراً، ويضمن تقديم مخرجات تعليمية تلبي أعلى المعايير المؤسسية.

فمثلًا يمكن قياس أداء فريق تطوير المحتوى من خلال مزيج من:

الالتزام بالجدول الزمني + جودة المنتج + معدل إعادة العمل + نسبة الأخطاء + رضا المستفيد + الالتزام بمعايير الجودة.

وهذا أكثر دلالة من الاعتماد على عدد المنتجات المنجزة فقط.

التنفيذ Implementing — تحويل الاستراتيجية إلى نتائج

يمثل التنفيذ الجسر بين التخطيط والنتائج. وتتضمن الخريطة ثلاث كفاءات رئيسة.

إدارة المشروعات

يحتاج متخصص L&D إلى مهارات إدارة المشروعات: تحديد النطاق، والجدول الزمني، والموارد، والمخاطر، والجودة، وأصحاب المصلحة.

وهنا تظهر أهمية تطبيق مبادئ إدارة المشروعات، ومنها مبادئ PMP، في مشروعات تطوير المقررات الإلكترونية والتدريب الرقمي، خصوصًا عندما تتعدد الأطراف والمخرجات والمراحل.

تعزيز المبادرات

لا يكفي تصميم برنامج جيد؛ بل يجب ضمان وصوله إلى المستفيدين وتبنيه داخل المؤسسة.

وهذا يتطلب إدارة التغيير، والتواصل، والتسويق الداخلي، ودعم القيادات، وإزالة عوائق الاستخدام.

تيسير التعلم

أما Facilitating Learning فيركز على خلق البيئة التي تساعد المتعلم على التعلم الفعلي، سواء كان التعلم ذاتيًا، أو تفاعليًا، أو تعاونيًا، أو قائمًا على المشروعات والممارسة.

ماذا تعني الخريطة لوحدات تطوير المحتوى الرقمي في الجامعات؟

تكتسب هذه الخريطة أهمية خاصة في الجامعات التي تمتلك وحدات متخصصة في تطوير المحتوى الرقمي والتدريب الإلكتروني. فإذا كانت الوحدة تقيس نجاحها فقط من خلال عدد المقررات التي تم تطويرها، فقد تحصل على صورة جزئية عن أدائها. أما إذا استخدمت المجالات الخمسة للخريطة، فيمكن بناء منظومة أكثر توازنًا.

ففي مجال التصميم يمكن قياس جودة المقررات وتجربة المتعلم والالتزام بالمعايير.

وفي مجال التنفيذ يمكن قياس الالتزام بالجدول الزمني، ونسب إنجاز المشروعات، والالتزام باتفاقيات مستوى الخدمة SLA.

وفي مجال القيادة يمكن قياس أداء فرق التطوير، وجودة توزيع الموارد، ونمو الكفاءات المهنية.

وفي مجال الاستراتيجية يمكن قياس مدى ارتباط مشروعات المحتوى الرقمي بالأهداف المؤسسية وأولويات الجامعة.

أما في مجال الاستشارة فيمكن قياس جودة العلاقة مع الكليات وأصحاب المصلحة، ورضا المستفيدين، ومدى نجاح الحلول المقترحة في معالجة احتياجاتهم.

وهكذا يمكن الانتقال من نظام مؤشرات يعتمد بصورة أساسية على حجم الإنتاج إلى نظام يجمع بين الإنتاجية والجودة والكفاءة والأثر والقيمة المؤسسية.

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل خريطة الكفاءات

يمثل الذكاء الاصطناعي عاملًا إضافيًا يدفع نحو إعادة تعريف أدوار متخصص L&D.

فقد أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على المساعدة في تحليل الاحتياجات، وإنتاج المسودات، وتوليد الصور والصوت والفيديو، وبناء الأنشطة، وإنتاج الاختبارات، وترجمة المحتوى وتكييفه.

لكن ذلك لا يعني أن دور المتخصص أصبح أقل أهمية. بل على العكس، تزداد أهمية الكفاءات التي يصعب أتمتتها بالكامل، مثل تحليل المشكلة، والحكم المهني، وتصميم التجربة، وضبط الجودة، وفهم السياق المؤسسي، وإدارة أصحاب المصلحة، وقياس الأثر.

ومن هنا فإن مديرتطوير المحتوى الرقمب لن يكون بالضرورة الشخص الذي ينتج كل عناصر المحتوى يدويًا، وإنما الشخص القادر على تصميم منظومة إنتاج ذكية، وإدارة الأدوات، والتحقق من جودة المخرجات، وضمان ملاءمتها التعليمية والمؤسسية

كلمة أخيرة

تقدم خريطة L&D Competencies Map تصورًا يتجاوز الفهم التقليدي لوظيفة التعلم والتطوير. فالمتخصص الحديث لا يعمل فقط كمصمم للمقررات أو منفذ للبرامج التدريبية، وإنما يتحرك عبر منظومة متكاملة تبدأ من تصميم خبرة التعلم، وتمر عبر تنفيذها وقيادة الفرق، وترتبط بـ استراتيجية المؤسسة، وتنتهي بدور استشاري يشارك في تحديد المشكلات وبناء الحلول وقياس أثرها.

والأهم أن المجالات الخمسة لا ينبغي النظر إليها على أنها مراحل خطية منفصلة؛ فالتصميم يحتاج إلى فهم الاستراتيجية، والتنفيذ يحتاج إلى القيادة، والاستشارة تحتاج إلى فهم الأعمال، وقياس الأثر يحتاج إلى تصميم جيد منذ البداية.

ومن هذا المنظور، فإن التطور الحقيقي لوحدات التعلم والتطوير في مؤسسات التعليم العالي لا يتمثل في إنتاج عدد أكبر من المقررات الإلكترونية، وإنما في الانتقال من مفهوم «إنتاج المحتوى» إلى «تصميم القيمة التعليمية والمؤسسية».

وبالنسبة لوحدات تطوير المحتوى الرقمي الجامعي، فإن هذا التحول يستلزم إعادة النظر في توصيف الوظائف، وبناء الكفاءات، وتوزيع الأدوار، ومؤشرات الأداء، ونماذج تقديم الخدمة. كما يستلزم ألا يُقاس نجاح الوحدة بعدد ما أنتجته فقط، بل بما أحدثته منتجاتها وخدماتها من تحسن في التعلم، وتطوير في الأداء، وقيمة مضافة للمؤسسة.

وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تبدو هذه النقلة أكثر أهمية؛ لأن إنتاج المحتوى أصبح أسرع وأسهل، بينما أصبح تحديد ما ينبغي إنتاجه، ولماذا، ولمن، وكيف، وبأي جودة، وكيف نقيس أثره أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وعليه، فإن الكفاءة الجوهرية لمتخصص التعلم والتطوير في المستقبل لن تكون مجرد القدرة على استخدام أدوات التعليم الرقمي، وإنما القدرة على الجمع بين علم التعلم، والتكنولوجيا، وإدارة المشروعات، وفهم الأعمال، والقيادة، والاستشارة، وقياس الأثر في منظومة واحدة هدفها النهائي تحسين التعلم والأداء المؤسسي.

عن د مصطفى جودت

أستاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بجامعة الملك سعود ، وجامعة حلوان مدير تطوير المحتوى الرقمي بجامعة الملك سعود
error: Content is protected !!