عرض : د. مصطفى جودت صالح
في 20 يوليو 2026 نشر موقع EdTech Magazine تجربة جامعة ولاية فلوريدا (Florida State University – FSU) في بناء منظومة مؤسسية متكاملة للذكاء الاصطناعي، وليس مجرد تبني مجموعة من أدوات الذكاء الاصطناعي. وأهول ما يطرأ على ذهن القارئ عند بداية تصفح المقال وبالتبعية موقع الجامعة هو؛ لماذا جامعة ولاية فلوريدا تحديدا ، هل لأنها أكثر الجامعات الأمريكية تقدما في هذا المجال؟ ، أم لأنها سبقت غيرها في تطبيق الذكاء الاصطناعي على المستوى المؤسسي؟ ، للأسف الإجابة لا ، ولكن في تصوري الخصي أن اختيار جامعة ولاية فلوريدا جاء بسبب نضوج تجربتها ونشرها على موقعها دون التقيد بترتيب معين للجامعات الأمريكية أو أسبقية زمنية. ويمكن القول أن تجربة الجامعة اختيرت لأنها تقدم نموذجًا متوازنًا بين الابتكار والحوكمة تضمنت: تجريب متعدد الأدوات + قيادة أكاديمية + بنية مركزية للذكاء الاصطناعي + حماية للبيانات + سياسات وحوكمة + هدف واضح لتكوين طلاقة الذكاء الاصطناعيAI Fluency لدى الطلاب، كما سنناقش في نقاط لاحقة.
ولعل وهذا تحديدًا يجعل تجربتها أكثر أهمية للجامعات العربية من مجرد دراسة جامعة تمتلك أكبر عدد من نماذج AI أو أكبر ميزانية بحثية؛ لأن ما يمكن نقله هو نموذج الحوكمة وآلية بناء المنظومة وليس الأدوات نفسها.
لماذا جامعة ولاية فلوريدا تحديدًا؟
ينبغي بدايةً التمييز بين اختيار جامعة بوصفها نموذجًا للتعلم المؤسسي، واختيارها بوصفها الجامعة الأفضل أو الأكثر تقدمًا في مجال الذكاء الاصطناعي. فالمقال المشار إليه لا يقدم تصنيفًا مقارنًا للجامعات الأمريكية، ولا يثبت أن جامعة ولاية فلوريدا تتفوق على جميع الجامعات الأخرى في هذا المجال. وإنما يعرض تجربة مؤسسية توضح كيفية تنظيم تبني الذكاء الاصطناعي وتطوير بيئة داعمة لاستخداماته المتعددة.
وتتمثل القيمة التحليلية لهذه التجربة في أنها تتجاوز التركيز على أداة منفردة أو مشروع تعليمي محدود، لتتناول مجموعة من العناصر المترابطة، تشمل اختيار الأدوات، وإشراك أعضاء هيئة التدريس، واختبار التطبيقات قبل تعميمها، وتوفير بنية تقنية مشتركة، ووضع ضوابط لحماية البيانات، وتطوير السياسات المؤسسية.
ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار جامعة ولاية فلوريدا حالة مناسبة لدراسة الانتقال من مرحلة التجريب الفردي إلى مرحلة التبني المؤسسي المنظم.
وتبرز أهمية هذا الانتقال في أن توفير أدوات الذكاء الاصطناعي لا يؤدي تلقائيًا إلى تحسين جودة التعليم أو زيادة الإنتاجية البحثية. فقد تتوافر الأدوات داخل الجامعة دون وجود تصور واضح لاستخدامها، أو مع تفاوت كبير في مهارات المستفيدين، أو دون ضوابط كافية لحماية البيانات والملكية الفكرية. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء إطار مؤسسي يحول الإمكانات التقنية إلى قيمة تعليمية وبحثية قابلة للتقييم.
بناء بيئة متكاملة للذكاء الاصطناعي متعددة الأدوات
من أبرز ملامح تجربة جامعة ولاية فلوريدا تبني نهج متعدد الأدوات والمزودين، بدلًا من حصر الاستخدام المؤسسي في منصة واحدة.
ويستند هذا التوجه إلى حقيقة أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي تختلف في قدراتها ووظائفها ومتطلبات استخدامها. فالأداة الملائمة لتلخيص المستندات وتحليل المصادر العلمية قد لا تكون هي الأنسب لتطوير المحتوى التعليمي، كما أن الأدوات المستخدمة في الإنتاجية المكتبية تختلف عن الحلول المتخصصة في تحليل البيانات أو دعم البحث العلمي.
وبناءً على ذلك، فإن اختيار الأدوات ينبغي أن ينطلق من تحديد الاحتياجات المؤسسية، وليس من شهرة المنتج أو انتشاره بين المستخدمين.
ويمكن التعبير عن هذا النهج بمفهوم «محفظة الذكاء الاصطناعي المؤسسية» (Institutional AI Portfolio)، وهي مجموعة منظمة من الأدوات والنماذج والخدمات التي تختارها الجامعة وفق حالات الاستخدام، مع مراعاة متطلبات الأمن والخصوصية والتكلفة والتكامل التقني.
وتحقق هذه المقاربة عددًا من المزايا، أهمها:
- تنويع الخيارات المتاحة لأعضاء هيئة التدريس والباحثين والطلاب.
- اختيار الأداة الأنسب لكل مهمة تعليمية أو بحثية.
- تقليل الاعتماد المفرط على مزود تقني واحد.
- إتاحة فرص المقارنة بين الأدوات قبل التوسع في استخدامها.
- تطوير قرارات الشراء والتعاقد استنادًا إلى احتياجات فعلية.
ومع ذلك، فإن تعدد الأدوات لا يمثل هدفًا في حد ذاته؛ إذ قد يؤدي، إذا غابت الإدارة المركزية، إلى زيادة التكلفة وتعقيد الدعم الفني وتشتت البيانات وتكرار الاشتراكات. ومن ثم، فإن نجاح هذا النموذج يتطلب وجود آلية مؤسسية لتقييم الأدوات واعتمادها ومتابعة استخدامها ومراجعة جدواها بصورة دورية.
التجريب المنظم قبل التعميم
من الدروس المهمة في تجربة الجامعة الاعتماد على البرامج التجريبية (Pilot Programs) لاختبار تطبيقات الذكاء الاصطناعي قبل إتاحتها على نطاق واسع.
وتتضمن التجربة، وفق المقال، مبادرات لاختبار أدوات متعددة في سياقات تعليمية مختلفة، بما في ذلك تجربة Microsoft 365 Copilot مع طلاب دراسات عليا في علوم الحاسب، وبرنامج AI Sparks الذي أتاح لمجموعة من أعضاء هيئة التدريس تجربة أدوات مثل Gemini وNotebookLM.
وتعكس هذه الممارسة توجهًا إداريًا مهمًا يتمثل في عدم التعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره منتجًا جاهزًا للتعميم بمجرد توافره، وإنما بوصفه ابتكارًا يحتاج إلى اختبار ملاءمته للسياق المؤسسي.
ويمكن تطوير هذا النهج من خلال دورة تنفيذية تتكون من خمس مراحل:
المرحلة الأولى: تحديد المشكلة. تبدأ الجامعة بتحديد مشكلة تعليمية أو بحثية أو إدارية واضحة، مثل تحسين البحث في المصادر، أو تسريع إعداد المواد التعليمية، أو دعم تحليل البيانات.
المرحلة الثانية: اختيار الأداة. تُختار أداة أو مجموعة أدوات بناءً على قدرتها على معالجة المشكلة المحددة، مع مراعاة التكلفة والأمن والتكامل مع الأنظمة القائمة.
المرحلة الثالثة: تنفيذ تجربة محدودة. تُتاح الأداة لمجموعة ممثلة من المستخدمين ضمن نطاق زمني واضح، مع تحديد ضوابط الاستخدام وآليات جمع الملاحظات.
المرحلة الرابعة: التقييم. تُقاس النتائج وفق مؤشرات محددة، مثل جودة المخرجات، ورضا المستخدمين، وتوفير الوقت، ومعدلات الأخطاء، والتكلفة الإجمالية.
المرحلة الخامسة: اتخاذ قرار التوسع. يُتخذ القرار بشأن تعميم الأداة أو تعديل نطاق استخدامها أو إيقافها، استنادًا إلى النتائج الفعلية وليس إلى الانطباعات وحدها.
ويجب التأكيد على أن النجاح في المرحلة التجريبية الأولية لا يعني بالضرورة نجاح التعميم؛ إذ قد تتغير النتائج عندما يرتفع عدد المستخدمين، أو تتنوع التخصصات، أو تتزايد متطلبات الدعم الفني. ولهذا ينبغي أن يتضمن التقييم اختبار قابلية التوسع والاستدامة، وليس فقط قياس رضا المجموعة التجريبية.
شراكة أعضاء هيئة التدريس في قيادة تبني الذكاء الاصطناعي
تطرح تجربة جامعة ولاية فلوريدا تصورًا مهمًا للعلاقة بين الخبرة الأكاديمية والخبرة التقنية. فبدلًا من أن تنفرد إدارة تقنية المعلومات باختيار الأدوات ثم تطلب من أعضاء هيئة التدريس استخدامها، تتيح التجربة التي يعرضها المقال دورًا أكبر للأكاديميين في تحديد الاحتياجات وحالات الاستخدام.


وتنبع أهمية ذلك من أن أعضاء هيئة التدريس هم الأقدر، في سياقاتهم التخصصية، على تحديد المشكلات التعليمية التي يمكن أن يساعد الذكاء الاصطناعي في معالجتها. فهم يدركون طبيعة المقررات، ومستويات الطلاب، ومخرجات التعلم، ومتطلبات التخصص، والمخاطر المرتبطة بتوليد المعلومات غير الدقيقة أو الاعتماد المفرط على الأدوات الذكية.
في المقابل، تتولى الفرق التقنية تقييم الجوانب المرتبطة بالأمن والخصوصية والتكامل والبنية التحتية، وتقديم الدعم اللازم لتطبيق الحلول.
وبذلك، لا تصبح عملية التبني مسؤولية تقنية منفصلة عن الممارسة الأكاديمية، بل عملية تشاركية تجمع بين تحديد الاحتياج والتحقق التقني والتقييم التربوي.

ويمكن صياغة هذا النموذج على النحو الآتي:
تحديد الاحتياج الأكاديمي ← التقييم التقني والأمني ← التجريب والتطبيق ← قياس الأثر ← التحسين المستمر.
ولتحويل هذا التصور إلى ممارسة مؤسسية، تستطيع الجامعات إنشاء مجتمعات ممارسة للذكاء الاصطناعي تضم أعضاء هيئة التدريس وخبراء تكنولوجيا التعليم وتقنية المعلومات والحوكمة. وتعمل هذه المجتمعات على تبادل الخبرات، وتطوير حالات استخدام موثقة، وإنتاج أدلة تطبيقية، ومناقشة المشكلات الأخلاقية والتربوية.
وتكمن القيمة هنا في أن الجامعة لا تكتفي بتوفير الأدوات، بل تعمل على بناء المعرفة المؤسسية اللازمة لاستخدامها بفاعلية.
Artes AI والبنية المركزية للذكاء الاصطناعي
من العناصر اللافتة في المقال الإشارة إلى منصة Artes AI التي تقدمها جامعة ولاية فلوريدا بوصفها بوابة مؤسسية للوصول إلى نماذج لغوية كبيرة متعددة.
وتشير التجربة المعروضة إلى إتاحة الوصول إلى أكثر من مئة نموذج لغوي كبير عبر بيئة تقنية مركزية. وينبغي فهم هذا الرقم في سياق وصف المنصة وخياراتها المتاحة، وليس باعتباره دليلًا مستقلًا على جودة النماذج أو تفوقها.
وتتمثل الفكرة الأساسية في إنشاء نقطة وصول مؤسسية تساعد على تنظيم استخدام النماذج والخدمات بدلًا من ترك كل مستخدم يبحث بصورة منفصلة عن أدواته الخاصة.
ويمكن وصف هذا النوع من الحلول بمفهوم بوابة الذكاء الاصطناعي الجامعية (University AI Gateway)، وهي طبقة تقنية يمكن أن تسهم في توحيد الوصول إلى الخدمات، وتطبيق ضوابط الاستخدام، وإدارة الصلاحيات، وتيسير تطوير تطبيقات مخصصة.
وتزداد أهمية هذا النموذج عندما ترغب الجامعة في تطوير مساعد ذكي لخدمة الطلاب، أو مساعد لأعضاء هيئة التدريس، أو تطبيق لدعم البحث العلمي، دون الحاجة إلى بناء نموذج لغوي ضخم من الصفر.
لكن وجود بوابة مركزية لا يضمن الأمن تلقائيًا؛ إذ تعتمد الحماية على تصميم المنصة وإعداداتها وعقودها وضوابط الوصول إلى البيانات. كما ينبغي التحقق من سياسات الاحتفاظ بالبيانات، واستخدامها في تدريب النماذج، ومواقع معالجتها، وآليات تسجيل العمليات ومراجعتها.
وبالتالي، فإن الدرس الأهم ليس ضرورة إنشاء منصة مماثلة حرفيًا، بل دراسة مدى الحاجة إلى طبقة مؤسسية مشتركة تنظم الوصول إلى خدمات الذكاء الاصطناعي، وتدعم التكامل مع أنظمة الجامعة، وتقلل مخاطر الاستخدام العشوائي.
حماية البيانات والأمن السيبراني أساسان للتبني المسؤول
لا يمكن بناء منظومة جامعية مستدامة للذكاء الاصطناعي دون وضع حماية البيانات ضمن شروط اعتماد الأدوات. فالجامعات تتعامل مع بيانات متنوعة، تشمل السجلات الأكاديمية، والبيانات البحثية، والمعلومات الإدارية، والملفات المالية، والبيانات الشخصية للطلاب والعاملين. وقد يؤدي إدخال هذه البيانات في خدمات خارجية دون مراجعة مناسبة إلى مخاطر تتعلق بالخصوصية والامتثال والملكية الفكرية.
ويشير المقال إلى اهتمام الجامعة باتفاقيات حماية البيانات قبل إتاحة الأدوات، بما في ذلك التحقق من كيفية التعامل مع بيانات المؤسسة وعدم استخدامها في تدريب نماذج المزودين على نحو يخالف الشروط المتفق عليها. ويترتب على ذلك أن عملية اعتماد أي أداة ينبغي ألا تقتصر على فحص وظائفها أو سهولة استخدامها، بل يجب أن تشمل مراجعة تعاقدية وتقنية وأمنية.
ومن أبرز الأسئلة التي ينبغي الإجابة عنها قبل الاعتماد:
- ما أنواع البيانات التي يسمح بإدخالها إلى الأداة؟
- هل يستخدم المزود بيانات الجامعة في تدريب النماذج؟
- ما سياسات الاحتفاظ بالبيانات وحذفها؟
- أين تُخزن البيانات وأين تتم معالجتها؟
- من يملك حق الوصول إلى البيانات والمخرجات؟
- كيف تُدار الصلاحيات وتُسجل العمليات؟
- ما آلية الإبلاغ عن الحوادث الأمنية والاستجابة لها؟
- هل تسمح شروط الخدمة باستخدام الأداة في الأغراض التعليمية والبحثية المقصودة؟
ويجب أن تُترجم الإجابات إلى تصنيف مؤسسي للبيانات، وسياسات استخدام واضحة، وشروط تعاقدية قابلة للتحقق، وآليات دورية لمراجعة الامتثال.
ومن المهم أيضًا التمييز بين أدوات الذكاء الاصطناعي العامة والخدمات المؤسسية المتعاقد عليها؛ إذ تختلف الضمانات والالتزامات باختلاف المنتج وإعداداته ونوع الاشتراك. لذلك لا يصح افتراض أن جميع إصدارات الأداة الواحدة توفر المستوى نفسه من الحماية.
الحوكمة المؤسسية إلى جانب التوسع التقني
من أبرز ما يجعل تجربة جامعة ولاية فلوريدا جديرة بالاهتمام ارتباط التوسع التقني بجهود تنظيمية تتعلق بالسياسات والإشراف على استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم. ويشير المقال إلى وجود لجنة استشارية للذكاء الاصطناعي في التعليم ومجموعة عمل معنية بسياسات الذكاء الاصطناعي. ويعكس هذا التوجه إدراكًا بأن التحديات لا تتعلق فقط بتوفير البنية التقنية، بل تشمل أيضًا النزاهة الأكاديمية، والخصوصية، والعدالة، والملكية الفكرية، والمسؤولية عن المخرجات.
وتتطلب الحوكمة الفعالة تحديد المسؤوليات بين الجهات المختلفة، بما يمنع تضارب الصلاحيات أو ترك القضايا المهمة دون جهة مسؤولة. ويمكن أن تتضمن منظومة الحوكمة الجامعية الأدوار الآتية:
القيادة المؤسسية: تحدد التوجه الاستراتيجي، وتعتمد الأولويات، وتوفر الموارد، وتتابع النتائج.
الجهات الأكاديمية: تحدد الاستخدامات المناسبة للتعليم والتعلم والبحث، وتضع الضوابط التربوية المرتبطة بالمقررات والتقويم.
تقنية المعلومات والأمن السيبراني: تتولى التقييم التقني، وإدارة التكامل والصلاحيات، ومراجعة المخاطر الأمنية.
إدارة البيانات والخصوصية: تحدد شروط معالجة البيانات ومشاركتها والاحتفاظ بها.
الشؤون القانونية والمشتريات: تراجع العقود والتراخيص والالتزامات التنظيمية وحقوق الملكية الفكرية.
وحدات الجودة والتطوير المؤسسي: تتابع مؤشرات الأداء وتقيس الأثر وتدعم التحسين المستمر.
ولا يعني ذلك ضرورة إنشاء إدارة مستقلة لكل مجال؛ إذ يمكن للجامعة توزيع هذه المسؤوليات على هياكلها القائمة، شريطة تحديد المسؤوليات وآليات التنسيق والمساءلة بوضوح.

والأهم أن تكون السياسات قابلة للتطبيق والمراجعة، لا مجرد وثائق عامة. فنجاح الحوكمة يقاس بقدرتها على توجيه القرارات اليومية وتقليل المخاطر وتمكين الاستخدامات ذات القيمة.
من إتقان الأدوات إلى الطلاقة في الذكاء الاصطناعي
يُعد مفهوم الطلاقة في الذكاء الاصطناعي (AI Fluency) من المفاهيم المهمة لفهم التحول الذي ينبغي أن تسعى إليه الجامعات. فالمقصود منه ليس مجرد قدرة الطالب على كتابة الأوامر أو الحصول على إجابات من نموذج لغوي، بل تطوير فهم عملي لقدرات الذكاء الاصطناعي وحدوده، والقدرة على استخدامه بصورة نقدية ومسؤولة وملائمة للسياق.
ويتطلب ذلك أن يتعلم الطلاب كيفية صياغة المشكلات، وتقييم المخرجات، والتحقق من صحة المعلومات، والتعرف على التحيزات المحتملة، وحماية البيانات، والإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي وفق قواعد المؤسسة. كما ينبغي ألا يقتصر تطوير هذه الكفاءات على طلاب التخصصات الحاسوبية؛ فالتحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تمتد إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية والطبية والهندسية والإدارية. ومن هنا، تستطيع الجامعات دمج كفاءات الذكاء الاصطناعي في المقررات والأنشطة والمشروعات البحثية، مع تكييفها وفق طبيعة كل تخصص.
كما يجب أن يرتبط هذا الدمج بمراجعة أساليب التقويم؛ لأن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي يثير أسئلة تتعلق بما ينبغي للطالب إنجازه بنفسه، وكيفية قياس الفهم والتحليل والاستدلال، وما أشكال المساعدة المقبولة في المهام الأكاديمية. وبذلك يصبح الهدف هو تخريج طالب قادر على العمل في بيئة مهنية تتزايد فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مع احتفاظه بالقدرة على الحكم النقدي واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية.
بوابة تكنولوجيا التعليم أول بوابة عربية تهتم بتكنولوجيا التعليم والتعليم الإلكتروني منذ عام 2003

