التصميم التعليمي: هل نصمم الخبرات أم سلوك المستخدم؟

تعليق : د. مصطفى جودت صال

صادفت الكاريكاتير السابق على شبكة Linked in وقد أصاب مني ما أصاب …. فأردت مشاركته مع حضراتكم والتعليق عليه. في البداية لو نظرنا نظرة تأملية فاحصة للرسم نجد أنه يعرض مفارقة ساخرة بين ما يفعله المصممون التعليميون وما يفعله بعض المتعلمين عند التفاعل مع المقرر الإلكتروني.

في الجانب الأيسر يظهر المصمم التعليمي منشغلًا بتفاصيل دقيقة: الخط، اللون، الأيقونات، الحركة، صياغة العبارات، وضوح المحتوى، الجاذبية البصرية، ومراعاة مركزية المتعلم وتحقيق نواتج التعلم. الرسالة هنا أن المصمم التعليمي لا ينتج “شرائح” أو “شاشات” فقط، بل يبني خبرة تعلم كاملة، ويحاول تقليل العبء المعرفي على المتعلم، وتنظيم المحتوى بما يجعله أكثر وضوحًا وفاعلية.

أما في الجانب الأيمن، فيظهر المتعلم وهو يتعامل مع التجربة التعليمية بمنطق السرعة: يضغط زر “التالي”، يتجاوز المحتوى، يصل إلى الاختبار، يجيب، يحصل على الدرجة، ثم يغادر. وهذه مبالغة كاريكاتيرية لكنها تكشف واقعًا شائعًا في بعض بيئات التعلم الإلكتروني، حيث يتحول التعلم من خبرة معرفية وتأملية إلى مسار إجرائي هدفه إنهاء النشاط أو اجتياز الاختبار، وهذا تحديدا ما نواجهه مع كثير من الطلاب والمتدربين في منصاتنا التعليمية والتدريبية.

لماذا اخترت هذا الرسم الكاريكاتيري لأعلق عليه ؟

تكمن أهمية الرسم من وجهة نظري في أنه لا يسخر من المتعلم بقدر ما يفتح سؤالًا تربويًا مهمًا: هل تكفي جودة التصميم البصري وتنظيم المحتوى لضمان التعلم؟
الإجابة: بالتأكيد لا. فالتصميم التعليمي الجيد لا ينبغي أن يكتفي بجعل المحتوى جذابًا ومنظمًا، بل يجب أن يبني دوافع حقيقية للتفاعل، ويجعل المرور على المحتوى ذا معنى وضرورة، لا مجرد خطوة شكلية قبل الاختبار، وبقد تمت مناقشة جانبين مرتبطين بهذا الموضوع في مقالين سابقين ، الأول التنظيم الدافعي للتعلم ، والثاني تصميم التفاعل.

من منظور تربوي، يشير الرسم إلى ثلاث قضايا أساسية:

أولًا، هناك فرق بين تصميم المحتوى وتصميم السلوك التعلمي. قد يكون المحتوى جميلًا ومنظمًا، لكن المتعلم قد يتجاوزه إذا لم يشعر بالحاجة إليه أو لم يجد فيه تحديًا معرفيًا أو ارتباطًا بخبرته وواقعه. وقد تناولت هذه النقطة تحديدا عند حديثي عن التعلم المبني على السيناريو في مقال سابق.

ثانيًا، الاختبارات السطحية أو وسائل التقويم الشكلي قد تشجع المتعلم على “استراتيجية الاجتياز” بدلًا من “استراتيجية التعلم”. فإذا كان بإمكان المتعلم تخطي المحتوى ثم تحقيق 100%، فهذا يعني أن التقييم لا يقيس بالضرورة الفهم العميق، بل ربما يقيس التذكر السريع أو التخمين أو سهولة الأسئلة.

ثالثًا، التصميم المتمركز حول المتعلم لا يعني تسهيل التجربة إلى حد إفراغها من الجهد، بل يعني بناء خبرة متوازنة: واضحة، جاذبة، ذات هدف، لكنها في الوقت نفسه تتطلب تفكيرًا، ومشاركة، وتطبيقًا، واسترجاعًا نشطًا للمعرفة.

لذلك يمكن القول إن الرسالة الأعمق في الرسم هي أن المصمم التعليمي لا ينبغي أن يسأل فقط:
كيف أجعل المحتوى أجمل وأسهل؟
بل ينبغي أن يسأل أيضًا:
كيف أجعل المتعلم يتوقف، ويفكر، ويتفاعل، ويحتاج فعلًا إلى ما صممته؟

فالتعلم الإلكتروني الفعال لا يتحقق بمجرد وجود زر “التالي”، ولا بمجرد جمال الواجهة، بل يتحقق عندما تصبح كل شاشة، وكل نشاط، وكل سؤال، جزءًا من مسار تربوي مقصود يقود المتعلم من التصفح السريع إلى الفهم، ومن الإنجاز الشكلي إلى التعلم الحقيقي.

يكفي هذا التعليق السريع والمختصر على الكاريكاتير الذي أعتقد أنه يرسل رسالة تستحق التوقف عندها

عن د مصطفى جودت

أستاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بجامعة الملك سعود ، وجامعة حلوان مدير تطوير المحتوى الرقمي بجامعة الملك سعود
error: Content is protected !!