التصميم التعليمي بين بلوم وميريل : من صياغة نواتج التعلم إلى بناء الخبرات التعليمية الفعّالة

تعليق : د. مصطفى جودت صالح

في السادس من مايو 2026 شاهدت مقارنة منشورة على شبكة لنكد إن تقارن بين تصنيف بلوم ومبادئ ميريل ، ودون تخطيط مسبق وجدتني أكتب هذا التعليق على الإنفوجرافيك بعدما نال مني اهتماما خاصا

التصميم التعليمي بين بلوم وميريل
أنقر للوصول للمصدر

يعتبر التصميم التعليمي مجالًا يقوم على المواءمة الدقيقة بين ما ينبغي أن يتعلمه المتعلمون، وكيف يمكن تنظيم الخبرات التعليمية لمساعدتهم على تحقيق ذلك. وفي هذا السياق، يبرز كل من تصنيف بلوم للأهداف التعليمية ومبادئ ميريل الأولى للتعليم بوصفهما إطارين مؤثرين في بناء البرامج والمقررات والأنشطة التعليمية. وعلى الرغم من اختلاف زاوية التركيز في كل منهما، فإن الجمع بينهما يوفر للمصمم التعليمي مدخلًا متكاملًا يجمع بين وضوح الأهداف وجودة التنفيذ التعليمي.


يعرض الإنفوجرافيك المقارنة بين الإطارين من خلال ثنائية محورية: بلوم يركز على ما يحققه المتعلم، بينما يركز ميريل على كيفية التعليم الفعّال. وهذه الثنائية لا تعني التعارض، بل التكامل؛ فتصميم التعلم لا يكتمل بمجرد تحديد أهداف معرفية، كما لا ينجح بمجرد تقديم أنشطة جذابة دون غايات واضحة. إن القيمة الحقيقية تظهر عندما تُصاغ نواتج التعلم بدقة، ثم تُبنى حولها خبرات تعليمية قائمة على المشكلات والممارسة والتطبيق.

التصميم التعليمي
تصنيف بلوم للأهداف المعرفية
هرم بلوم

يرتكز تصنيف بلوم على تنظيم الأهداف التعليمية في مستويات معرفية متدرجة. يبدأ هذا التدرج من التذكر، حيث يسترجع المتعلم المعلومات والمفاهيم الأساسية، ثم ينتقل إلى الفهم، حيث يفسر المعاني ويعيد صياغة الأفكار. بعد ذلك يأتي التطبيق، وفيه يستخدم المتعلم المعرفة في مواقف جديدة أو عملية. أما التحليل فيتطلب تفكيك المفاهيم والعلاقات، بينما يرتبط التقويم بإصدار أحكام مستندة إلى معايير. وفي قمة الهرم يظهر الإبداع أو الابتكار، حيث ينتج المتعلم أفكارًا أو حلولًا أو منتجات جديدة.

تكمن أهمية هذا التصنيف في أنه يوجه المصمم التعليمي نحو صياغة أهداف قابلة للقياس، ومتوافقة مع مستوى الأداء المتوقع. فعندما يحدد المصمم أن الهدف هو “تحليل” ظاهرة تعليمية مثلًا، فإن ذلك يفرض نوعًا معينًا من الأنشطة والتقويم، يختلف عن هدف يقتصر على “تعريف” المفهوم أو “تعداد” عناصره. وبذلك لا يكون بلوم مجرد قائمة أفعال تعليمية، بل أداة لضبط العلاقة بين الهدف، والمحتوى، والنشاط، والتقويم.

في المقابل، تقدم مبادئ ميريل منظورًا إجرائيًا يركز على تصميم الخبرة التعليمية ذاتها. وتبدأ هذه المبادئ بمبدأ التمركز حول المشكلة، أي أن التعلم يكون أكثر فاعلية عندما يُبنى حول مشكلة واقعية أو مهمة ذات معنى. فالدرس الجيد لا يبدأ دائمًا بتعريفات نظرية، بل يمكن أن يبدأ بسيناريو مهني، أو حالة دراسية، أو موقف يتطلب قرارًا أو حلًا.

لتصميم التعليمي
مبادئ ميريل

ثم يأتي مبدأ التنشيط، ويعني استحضار المعرفة السابقة لدى المتعلم وربطها بالمحتوى الجديد. هذا المبدأ مهم لأن المتعلم لا يدخل الموقف التعليمي بوصفه صفحة بيضاء؛ بل يحمل خبرات وتصورات ومفاهيم سابقة. وكلما نجح التصميم التعليمي في استثمار هذه الخبرات، زادت قابلية التعلم الجديد للفهم والاستيعاب.

أما مبدأ العرض أو التوضيح فيشير إلى ضرورة تقديم المعرفة بصورة عملية قابلة للملاحظة، من خلال الأمثلة والنماذج والعروض التوضيحية. فالمتعلم لا يحتاج فقط إلى معرفة “ماذا يفعل”، بل يحتاج إلى أن يرى “كيف يتم ذلك”. وبعد العرض تأتي مرحلة التطبيق، حيث يمارس المتعلم ما تعلمه في مهمة أو نشاط، ويحصل على تغذية راجعة تساعده على تحسين أدائه. وأخيرًا يظهر مبدأ الدمج، الذي يركز على نقل التعلم إلى الحياة الواقعية أو السياق المهني، بحيث لا تبقى المعرفة حبيسة المقرر أو النشاط، بل تتحول إلى ممارسة قابلة للاستخدام.

التصميم التعليمي 
توظيف مبادئ ميلر
Merrill, M. D. (2002). First principles of instruction. Educational technology research and development50(3), 43-59.

مبادئ تعزيز فاعلية التعلم عند ميريل

1. التمحور حول المشكلات (Problem-Centered)

يتحقق التعلم العميق عندما ينغمس المتعلم في حل مشكلات مستمدة من الواقع، وذلك من خلال:

  • النمذجة: تقديم نماذج محلولة للمهام المراد إنجازها.
  • الشمولية: التفاعل مع المشكلة كبنية متكاملة (مستوى المهمة والتنفيذ).
  • التدرج: البدء بمهام بسيطة ثم رفع مستوى التعقيد تدريجياً لتطوير مهارات الحل.

2. التنشيط واستثارة المعرفة (Activation)

يعمل التعليم الفعال على بناء جسور بين الجديد والقديم عبر:

  • استحضار الخبرات: تفعيل المعارف السابقة وتوظيفها كأساس للمعلومات الجديدة.
  • الأصالة: تقديم مهام واقعية تثير اهتمام المتعلم وتدفعه للتفاعل.
  • البناء المنظم: تنظيم المحتوى بحيث يبني كل مفهوم جديد على أساس سابق متين.

3. العرض التوضيحي والنمذجة (Demonstration)

لا يقتصر التعلم على التلقين، بل يمتد ليشمل المشاهدة والبيان العملي:

  • الاتساق: مطابقة العروض التوضيحية مع مخرجات التعلم المستهدفة.
  • تعدد المنظورات: تقديم الأفكار والمفاهيم عبر أمثلة متنوعة ووجهات نظر متعددة.
  • التوظيف الوسائطي: اختيار الوسائط التعليمية التي تخدم المحتوى وتسهل استيعابه.

4. التطبيق والممارسة (Application)

يُرسخ التعلم عندما يُمنح المتعلم فرصة كافية لممارسة ما تعلمه:

  • الممارسة الموجهة: ربط الأنشطة التطبيقية بالأهداف التعليمية بشكل مباشر.
  • سحب الدعم التدريجي (Scaffolding): تقليل التوجيه الخارجي تدريجياً لتعزيز استقلالية المتعلم.
  • تنوع السياقات: إتاحة الفرصة لتطبيق المعرفة في مواقف ومشكلات متباينة.

5. الدمج والنقل (Integration)

تصل عملية التعلم إلى ذروتها عندما يتمكن المتعلم من دمج المعارف الجديدة في حياته اليومية:

  • المشاركة والظهور: إتاحة منصات للمتعلمين لعرض منجزاتهم ومشاركة خبراتهم.
  • التفكير التأملي: تحفيز المتعلم على تقييم مساره المعرفي ومدى تطوره.
  • الابتكار: تشجيع توظيف المهارات المكتسبة بأساليب إبداعية في سياقات حياتية واقعية.
التصميم التعليمي
موجز توظيف مبادئ ميلر

من الناحية التصميمية، يمكن النظر إلى بلوم بوصفه إطارًا لتحديد مستويات التفكير ونواتج التعلم، بينما تمثل مبادئ ميريل إطارًا لتنظيم رحلة التعلم. فالأول يساعد المصمم على الإجابة عن سؤال: ما مستوى الأداء المعرفي الذي نريد الوصول إليه؟ والثاني يساعده على الإجابة عن سؤال: ما الخبرات التعليمية التي ينبغي أن يمر بها المتعلم كي يصل إلى ذلك المستوى؟

تتضح قيمة التكامل بين الإطارين عند تصميم مقرر أو وحدة تعليمية. فإذا كان ناتج التعلم يستهدف مستوى “التقويم” في بلوم، فلا يكفي تقديم محتوى نظري ثم اختبار تذكري في نهاية الدرس. بل ينبغي، وفق ميريل، أن يوضع المتعلم أمام مشكلة أو حالة تتطلب الحكم والمفاضلة، وأن يتم تنشيط معرفته السابقة، ثم عرض نموذج لتقويم الحالة، ثم تكليفه بممارسة التقويم وفق معايير محددة، وأخيرًا مساعدته على تطبيق هذا الحكم في موقف واقعي أو مهني.

وبالمثل، إذا كان الهدف الوصول إلى مستوى “الإبداع”، فإن الأنشطة التعليمية ينبغي أن تتجاوز الأسئلة المغلقة إلى مشروعات تصميمية، أو حلول مبتكرة، أو إنتاج نماذج وأفكار جديدة. هنا يؤدي بلوم وظيفة تحديد السقف المعرفي المتوقع، بينما تساعد مبادئ ميريل في بناء المسار الذي يقود المتعلم نحو هذا السقف من خلال مشكلة حقيقية، وممارسة موجهة، وتطبيق، ودمج.

مقابلة الأهداف التعليمية للأنشطة

إن أحد الأخطاء الشائعة في التصميم التعليمي هو الفصل بين الأهداف والأنشطة. فقد تُكتب أهداف عالية المستوى مثل “ينتقد” أو “يصمم” أو “يبتكر”، بينما تظل الأنشطة التعليمية في مستوى التلقي أو التذكر. كما قد يحدث العكس، حيث تتضمن التجربة التعليمية أنشطة ثرية لكنها غير مرتبطة بنواتج واضحة أو قابلة للتقويم. ومن هنا تأتي أهمية الجمع بين بلوم وميريل؛ إذ يساعد هذا الجمع على تحقيق الاتساق البنائي بين ما يُخطط له، وما يُدرَّس، وما يُقوَّم.

ويمكن القول إن الإنفوجرافيك المشار إليه في بداية المقال يقدّم رسالة عملية للمصممين التعليميين: ابدأ بتحديد نواتج التعلم وفق مستويات بلوم، ثم صمم الخبرات التعليمية وفق مبادئ ميريل. فبلوم يمنح التصميم التعليمي وضوحًا في الغايات، وميريل يمنحه قوة في التنفيذ. وعندما يجتمع الوضوح والفاعلية، يصبح التعلم أكثر عمقًا، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأكثر قدرة على إحداث أثر مستدام في أداء المتعلم.

في النهاية، لا ينبغي التعامل مع تصنيف بلوم ومبادئ ميريل كقوالب جامدة، بل كأدوات تفكير تصميمي. فالمصمم التعليمي المحترف لا يستخدم بلوم لمجرد اختيار فعل إجرائي مناسب، ولا يستخدم ميريل لمجرد ترتيب خطوات الدرس، بل يوظفهما معًا لبناء تجربة تعلم متماسكة تبدأ من الهدف، وتمر بالمشكلة، وتنتهي بالأداء القابل للنقل إلى الواقع. ومن ثم فإن التكامل بين الإطارين يمثل مدخلًا ناضجًا لتصميم تعلم يتمحور حول النتائج، ويتحقق من خلال خبرات تعليمية أصيلة وفعّالة.

عن د مصطفى جودت

أستاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بجامعة الملك سعود ، وجامعة حلوان مدير تطوير المحتوى الرقمي بجامعة الملك سعود
error: Content is protected !!