قراءة في إطار الفهم عن طريق التصميم UbD™ FRAMEWORK

UbD™ FRAMEWORK

عرض وقراءة : د. مصطفى جودت صالح

يعود الفضل في ابتكار وتطوير إطار “الفهم عن طريق التصميم” UbD™ FRAMEWORK إلى الخبيرين التربويين جاي مكتيغي (Jay McTighe) وجرانت ويجينز (Grant Wiggins). وقد تم نشر هذا العمل وتطويره بالتعاون مع منظمة ASCD (جمعية الإشراف وتطوير المناهج) ورغم أن الإصدار الأول من الإطار يعود لعام 1999 وقد شهد عدد من التطورات المتلاحقة فإن هذا الإطار أثر بشكل كبير في ميدان التصميم التعليمي وظهور ما يسمى بالتصميم التعليمي العكسي.

المقال الحالي ليس نقدا لهذا الإطار ، بل إعادة قراءة له في ضوء دليل استخدام إطار الفهم عن طريق التطبيق من جهة، وعرض الفلسفة القائم عليها هذا الإطار من جهة أخرى.

ويعتبر هذا الإطار مرجعاً أساسياً يشرح إطار “الفهم عن طريق التصميم” (UbD™). وتتمحور الفكرة الجوهرية لهذا الإطار حول ركيزتين: الأولى هي التركيز على التدريس والتقييم من أجل تحقيق “الفهم” و”نقل أثر التعلم”، والثانية هي تصميم المنهج “عكسياً” انطلاقاً من هذه الغايات. وبناءا على ذلك يدور الإطار حول فكرتين مترابطتين: الأولى أن التعليم ينبغي أن يستهدف «الفهم» و«انتقال أثر التعلم» إلى سياقات جديدة، لا مجرد تحصيل المعرفة أو أداء المهارات في وضعيات مألوفة؛ والثانية أن التصميم التعليمي الفعال يبدأ من النهاية، أي من تحديد ما ينبغي أن يكون المتعلم قادرًا على فهمه وتوظيفه، ثم تحديد أدلة التقويم المناسبة، وأخيرًا تخطيط الخبرات والأنشطة التعليمية. ومن ثمّ، فإن «التصميم العكسي» ليس مجرد ترتيب تقني لمراحل التخطيط، بل هو موقف فلسفي وتربوي يعيد تعريف العلاقة بين الأهداف، والتقويم، والتدريس.

ولم ينشأ هذا الإطار من فراغ، بل استند إلى تدفقين أساسيين من الأدلة العلمية:

  • البحوث النظرية في علم النفس المعرفي: التي تدرس كيفية تعلم الإنسان وكيفية بناء المعنى وتخزين المعلومات.
  • نتائج دراسات إنجاز الطلاب: وهي بحوث تطبيقية رصدت العوامل التي تؤدي إلى تحسين مستويات التحصيل الدراسي الفعلي.

نشأ الإطار كاستجابة لمشكلتين شائعتين في التعليم سماهما المؤلفان “الخطيئتين التوأمين”: التدريس القائم على الأنشطة (دون أهداف واضحة) والتدريس القائم على السرد والتلقين (سرد محتوى الكتاب المدرسي صفحة بصفحة).

تبدأ الوثيقة محل النقاش ببيان المبادئ السبعة المؤطرة للنموذج، ثم تنتقل إلى شرح المراحل الثلاث: تحديد النتائج المرغوبة، تحديد أدلة التقويم، ثم تخطيط خبرات التعلم والتعليم. هذا التدرج يمنح القارئ تصورًا متماسكًا عن منطق الإطار، ويجنّبه التعامل مع النموذج بوصفه قائمة إجراءات منفصلة. كما أن الوثيقة تؤكد، في مواضع متعددة، ضرورة الاتساق أو «المواءمة» بين ما يراد تحقيقه، وما يُقاس، وما يُدرّس. وهذه نقطة ذات قيمة أكاديمية وتطبيقية عالية؛ لأن كثيرًا من مشكلات المناهج تنشأ من انفصال الأهداف المعلنة عن التقويم الفعلي أو عن الأنشطة الصفية اليومية.

المبادئ السبعة لإطار الفهم عن طريق التصميم

يرتكز إطار (UbD) على سبعة مبادئ أساسية تشكل بوصلة للمعلم والمخطط التربوي:

1. التخطيط الهادف
يقصد به أن يبدأ المعلم التخطيط وهو واعٍ بما يريد أن يحققه الطلاب من فهم عميق، لا بمجرد إنهاء الدرس أو تغطية المحتوى. يطبق هذا المبدأ عندما يختار المعلم الأنشطة والوسائل والتقويمات بناءً على أهداف واضحة، مع ترك مساحة للمرونة والإبداع بدل الالتزام بخطوات جامدة.

2. تطوير الفهم ونقل الأثر
يعني هذا المبدأ أن التعلم لا يقتصر على حفظ المعلومات، بل يمتد إلى قدرة الطالب على استخدامها في مواقف جديدة. ويُطبَّق من خلال تصميم مهام تطلب من الطالب تفسير المعرفة، حل المشكلات، اتخاذ قرارات، أو توظيف المهارات في سياقات واقعية مختلفة.

3. الأداء الذاتي كدليل
يفترض هذا المبدأ أن الفهم الحقيقي يظهر عندما يستطيع الطالب أن يعمل باستقلالية ويبرهن على تعلمه من خلال أداء حقيقي. ويُطبَّق عبر مشروعات، عروض، تجارب، أو مواقف عملية يطلب فيها من الطالب أن يشرح، يبرر، يطبق، أو ينتج شيئاً ذا معنى.

4. التصميم العكسي
يقوم التصميم العكسي على البدء بتحديد النتائج التعليمية المرغوبة، ثم تحديد الأدلة التي تثبت تحققها، وبعد ذلك تخطيط أنشطة التعلم. ويُطبَّق عندما يسأل المعلم أولاً: ما الفهم المطلوب؟ كيف سأعرف أن الطلاب فهموا؟ ثم ما الخبرات التعليمية المناسبة للوصول إلى ذلك؟

5. المعلم كمدرب
يعني هذا المبدأ أن دور المعلم يتجاوز شرح المعلومات إلى توجيه الطلاب ومساعدتهم على بناء المعنى بأنفسهم. ويُطبَّق عندما يقدم المعلم أسئلة عميقة، تغذية راجعة، نمذجة، وفرص تدريب متدرجة تساعد الطلاب على تحسين أدائهم ونقل تعلمهم.

6. المراجعة الدورية
يقصد بها فحص الوحدات والدروس باستمرار للتأكد من توافق الأهداف والتقويم والأنشطة مع معايير التصميم الجيد. ويُطبَّق هذا المبدأ من خلال مراجعة خطط التدريس فردياً أو ضمن فرق مهنية، وتحليل نقاط القوة والضعف قبل التنفيذ أو بعده.

7. التحسين المستمر
يركز هذا المبدأ على أن التصميم التعليمي عملية متجددة لا تنتهي بمجرد تنفيذ الدرس. ويُطبَّق عندما يستخدم المعلم نتائج أداء الطلاب، وملاحظاته، والتغذية الراجعة، لتعديل الأهداف أو الأنشطة أو أدوات التقويم بما يرفع جودة التعلم مستقبلاً.

مراحل التصميم العكسي الثلاث

يقترح الإطار عملية مكونة من ثلاث مراحل تضمن محاذاة أهداف التعلم مع التقييم والتدريس:

UbD™ FRAMEWORK
مراحل التصميم العكسي الثلاث
رسم تعبيري من الكاتب مولد بالذكاء الاصطناعي

المرحلة الأولى: تحديد النتائج المرغوبة

في هذه المرحلة، يتم تحديد ما يجب على الطلاب معرفته وفهمه والقدرة على القيام به. يتم التركيز هنا على “أهداف نقل الأثر” (Transfer Goals) والأسئلة الجوهرية التي تثير التفكير وتعمق الفهم.

  • مثال (في مادة التاريخ): بدلاً من حفظ التواريخ، يكون الهدف هو “تطبيق دروس الماضي على أحداث وقضايا الحاضر والمستقبل”.

المرحلة الثانية: تحديد أدلة التقييم

يدعو الإطار المعلمين للتفكير “كـمُقيّمين” قبل تصميم الدروس. يتم التمييز بين نوعين من الأدلة: المهام الأدائية (التي تتطلب تطبيق التعلم في مواقف جديدة) وأدلة أخرى مثل الاختبارات القصيرة.

  • أوجه الفهم الستة: يستخدم الإطار ستة مؤشرات للفهم: (الشرح، التفسير، التطبيق، تبني وجهات نظر، التعاطف، ومعرفة الذات).

المرحلة الثالثة: تخطيط تجارب التعلم والتدريس

هنا يتم تصميم الأنشطة التي تدعم المتعلمين للوصول إلى النتائج. يقترح الإطار ترميز الأنشطة بثلاثة رموز لضمان التوازن:

  • (A) الاكتساب (Acquisition): اكتساب المعلومات والمهارات الأساسية.
  • (M) بناء المعنى (Meaning Making): مساعدة الطلاب على استخلاص استنتاجاتهم الخاصة.
  • (T) نقل الأثر (Transfer): منح فرص لتطبيق التعلم في مواقف جديدة.

مراحل إنتشار إطار الفهم عن طريق التطبيق UbD™ FRAMEWORK

UbD™ FRAMEWORK
UbD
رسم تعبيري من الكاتب مولد بالذكاء الاصطناعي

1. البدايات: 1999
في هذه المرحلة ظهر إطار الفهم عن طريق التصميم UbD بصورة تطبيقية أولية من خلال إصدار دفتر التطوير المهني. كان الهدف منه مساعدة المعلمين على تحويل فكرة “التعليم من أجل الفهم” إلى ممارسات تخطيطية داخل الصف. ركزت هذه البداية على تدريب المعلمين على التفكير في النتائج التعليمية قبل الأنشطة. كما مهّدت الطريق لاستخدام التصميم العكسي بوصفه مدخلاً منظماً لبناء الدروس والوحدات.

Understanding by Design

2. التوسع: 2005
شهد عام 2005 صدور الطبعة الثانية الموسعة من كتاب Understanding by Design، وهي مرحلة مهمة في ترسيخ الإطار نظرياً وتربوياً. في هذه الطبعة أصبحت أفكار UbD أكثر وضوحاً وتنظيماً، خاصة ما يتعلق بالفهم العميق، والأسئلة الأساسية، ونقل أثر التعلم. كما قدمت تصوراً شاملاً لمراحل التصميم العكسي الثلاث. وأسهم هذا الإصدار في انتشار الإطار بين المعلمين والمخططين التربويين بصورة أوسع.

3. الدمج: 2006
في هذه المرحلة تم الربط بين إطار UbD ومفهوم التعليم المتمايز بالتعاون مع كارول توملينسون. ركز هذا الدمج على أن التخطيط الجيد لا يكفي وحده، بل يجب أن يراعي اختلاف قدرات الطلاب واهتماماتهم وأنماط تعلمهم. أصبح المعلم مطالباً بتحديد الفهم المطلوب، ثم تكييف المحتوى والأنشطة والتقويم بما يناسب المتعلمين. وبذلك جمع الإطار بين وضوح الأهداف ومرونة التدريس.

4. الأدلة العملية: 2011-2012
في هذه المرحلة انتقل الإطار إلى مستوى أكثر عملية من خلال إصدار دليل يساعد المعلمين على إنشاء وحدات دراسية عالية الجودة. ركز الدليل على تقديم خطوات ومعايير وأدوات مراجعة يمكن استخدامها مباشرة في التخطيط. كما ساعد المعلمين على التأكد من ترابط النتائج، والأدلة، وخطة التعلم داخل الوحدة. وتمثل وثيقة عام 2012 امتداداً لهذا التوجه العملي الذي يجعل UbD أداة قابلة للتطبيق والتطوير المستمر.

دليل استخدام إطار الفهم عن طريق التصميم

يعتبر هذا الدليل مرجعًا عمليًا ومنهجيًا في بناء الوحدات التعليمية عالية الجودة وفق نموذج الفهم بالتصميم؛ إذ ينقل بناء المنهج من مجرد ترتيب موضوعات وأنشطة إلى تخطيط مقصود يبدأ بالغايات التعليمية الكبرى وينتهي بتعلم قابل للنقل والتطبيق. وتبرز أهميته في أنه لا يكتفي بتقديم أفكار نظرية، بل يوفّر نماذج، وقوالب، وأسئلة إرشادية، ومعايير تقويم تساعد المعلم أو مصمم المنهج على تحويل الأهداف العامة إلى خبرات تعليمية مترابطة وذات معنى.

يقوم الدليل على منطق «التصميم العكسي»، أي البدء بتحديد النتائج المرغوبة، ثم تحديد الأدلة التي تثبت تحقق التعلم، وأخيرًا بناء خطة التعلم المناسبة. هذه البنية الثلاثية تجعل التخطيط أكثر اتساقًا؛ لأن الأنشطة لا تُختار لمجرد كونها جذابة أو مألوفة، بل لأنها تخدم أهدافًا محددة، وتؤدي إلى أدلة قابلة للملاحظة على الفهم، والمهارة، والقدرة على توظيف المعرفة في مواقف جديدة.

وتتجلى قيمة الدليل كذلك في تركيزه على «الفهم» بوصفه أكثر من حفظ المعلومات أو أداء المهارات بصورة آلية. فالفهم في هذا الإطار يعني قدرة المتعلم على بناء المعنى، وتفسير الأفكار الكبرى، وطرح الأسئلة الجوهرية، ونقل التعلم إلى سياقات واقعية. ومن ثمّ، يساعد الدليل المعلمين على التمييز بين المعرفة السطحية والتعلم العميق، وبين النشاط التعليمي بوصفه غاية في ذاته والنشاط بوصفه وسيلة لتحقيق فهم مستدام.

أما من حيث الجانب التطبيقي، فيمكن الإفادة من الدليل عند تصميم وحدة تعليمية جديدة أو مراجعة وحدة قائمة. يبدأ المستخدم بتحديد المعايير أو الأهداف المراد تحقيقها، ثم يصوغ أهداف النقل، والفهوم الرئيسة، والأسئلة الجوهرية، والمعارف والمهارات اللازمة. بعد ذلك ينتقل إلى بناء أدوات التقويم، ولا سيما مهام الأداء التي تكشف قدرة الطالب على التطبيق والتحليل والتفسير، ثم يصمم أنشطة التعلم والتدريس بما ينسجم مع الأهداف والتقويم.

كما يمكن استخدام الدليل كأداةً للتقويم الذاتي والتطوير المهني؛ إذ يتضمن معايير لفحص جودة الوحدة التعليمية من حيث وضوح الأهداف، واتساق مراحل التصميم، وملاءمة الأدلة التقويمية، وفاعلية خطة التعلم. وبذلك يستطيع المعلم أو فريق العمل التربوي مراجعة التصميم قبل تنفيذه، ورصد جوانب الضعف، وتحسين الوحدة بناءً على أدلة لا على الانطباعات العامة.

عن د مصطفى جودت

أستاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بجامعة الملك سعود ، وجامعة حلوان مدير تطوير المحتوى الرقمي بجامعة الملك سعود
error: Content is protected !!