
يمر التعليم العالي اليوم بمرحلة مفصلية؛ فبين انفجار تقنيات الذكاء الاصطناعي والأزمات البيئية المتصاعدة، لم يعد الإصلاح التدريجي كافياً. تأتي وثيقة اليونسكو الجديدة “تحويل التعليم العالي: تعاون عالمي حول الرؤية والعمل” لتضع إطاراً زمنياً وعملياً طموحاً يمتد حتى عام 2030 وما بعده، بناءً على مخرجات المؤتمر العالمي الثالث للتعليم العالي. وتمثل وثيقة Transforming Higher Education: Global Collaboration on Visioning and Action الصادرة عن اليونسكو (2026) محاولة طموحة لإعادة صياغة دور التعليم العالي في عالم يتسم بالتعقيد والتسارع التحولي. تنطلق الوثيقة من سياق عالمي غير مستقر—بيئيًا، واقتصاديًا، وتكنولوجيًا—وتطرح “خارطة طريق” تهدف إلى إعادة توجيه النظم الجامعية نحو تحقيق الصالح العام . كما تكتسب الوثيقة أهميتها من كونها نتاج عملية تشاركية واسعة النطاق ارتبطت بمؤتمر التعليم العالي العالمي 2022، بما يعكس توجهًا متعدد الأطراف في صناعة السياسات التعليمية، وبهذا تمثل هذه الوثيقة “خارطة طريق” عالمية تهدف إلى إعادة صياغة دور الجامعات ليس فقط كمؤسسات مانحة للشهادات، بل كمحركات للتغيير الاجتماعي والابتكار المعرفي والتنمية الأخلاقية.
التحليل التالي أعتمد على الوثيقة ذاتها كمصدر مباشر للمعلومات وتصور بسيط للكاتب حول ما طرح فيها :
بالاطلاع على الوثيقة يتضح أنها تؤسس لرؤية معيارية تعتبر التعليم العالي “منفعة عامة عالمية” وركيزة أساسية لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، خاصة الهدف الرابع المتعلق بالتعليم الجيد . ويتقاطع هذا الطرح مع أدبيات سياسات التعليم العالي التي انتقلت في العقد الأخير من التركيز على الكفاءة والتمويل إلى مفاهيم العدالة، والاستدامة، والحوكمة الأخلاقية.
كما تتبنى الوثيقة مفهوم “العقد الاجتماعي الجديد للتعليم”، وهو مفهوم استراتيجي يعكس تحوّلًا من الرؤية التقليدية للجامعة كمؤسسة معرفية إلى كونها كيانا فاعلًا اجتماعيًا مسؤولًا عن معالجة التحديات الإقليمية والعالمية. هذا الطرح يستند ضمنيًا إلى تقرير اليونسكو السابق حول إعادة تصور مستقبل التعليم، مما يمنح الوثيقة عمقًا استمراريًا في التفكير الاستراتيجي.
المبادئ السبع لوثيقة اليونسكو 2026
وضعت الوثيقة سبع مبادئ أساسية تشكل الهيكل البنائي لمستقبل التعليم العالي كالآتي:
- الالتزام بالإنصاف والتعددية: تخصيص الموارد لضمان تمثيل الفئات المهمشة.
- حرية التعلم والبحث: تعزيز الاستقلال الأكاديمي والتعاون الدولي العابر للحدود.
- تنمية التفكير النقدي والإبداع: الابتعاد عن التلقين نحو بناء عقول قادرة على حل المشكلات المعقدة.
- تكنولوجيا رقمية وذكاء اصطناعي “مركزه الإنسان”: (وهو المحور الأهم لمتخصصي تكنولوجيا التعليم).
- أخلاقيات التعاون والتضامن: استبدال التنافسية المفرطة والتصنيفات (Rankings) بروح التشارك العلمي.
- الاستدامة والتدبير: جعل الاستدامة البيئية قيمة جوهرية في المناهج وإدارة المؤسسات.
- مفاهيم معززة للجودة والتميز: إعادة تعريف الجودة لتشمل الأثر المجتمعي بدلاً من مجرد الأرقام والمقاييس الأدائية.

فيما يلي شرحا مفصلا للمبادئ السبع السابقة :
1. الالتزام بعدالة الوصول للموارد لتحقيق الإنصاف والتعددية
يركز هذا المبدأ على إزالة جميع أشكال التمييز وضمان وصول الجميع إلى تعليم عالٍ ذي جودة، مع التأكيد على أن إهدار المواهب الفضولية يقلل من فرص المستقبل المشترك. ويتطلب ذلك التزاماً حكومياً بالتمويل العام الذي لا يغطي الرسوم الدراسية فحسب، بل يشمل تكاليف المعيشة والنقل لدعم استمرارية الطلاب، مع ضرورة الانفتاح على أشكال المعرفة المتعددة التي تمارسها المجتمعات المختلفة حول العالم لتعزيز الحوار الثقافي.
2. تعزيز حرية التعلم والتدريس والبحث والتعاون الدولي
تعتبر الحرية الأكاديمية حجر الزاوية الذي يُمكّن التعليم العالي من أداء مهامه؛ فهي تمنح الطلاب الحق في التعلم دون رقابة، وتمنح الأساتذة الحق في ممارسة البحث والتدريس دون قيود سياسية أو اقتصادية غير مبررة. ويتطلب ذلك درجة عالية من الاستقلال المؤسسي والحكم الذاتي الجماعي، مدعوماً بأنظمة ضمان جودة ومساءلة عامة تضمن بقاء التعليم العالي “منفعة عامة عالمية”.
3. تعزيز التقصي والتفكير النقدي والإبداع
تستند أسس التعليم العالي إلى غرس الفضائل الفكرية التي تضمن اتخاذ قرارات حكيمة ومبنية على الأدلة. وفي عالم تزداد فيه الأخبار الزائفة والتضليل، تقع على عاتق المؤسسات مسؤولية أخلاقية لتعزيز قدرة الأفراد على التمييز بين الحقائق والمعلومات المضللة، مع توفير مساحات إبداعية (مثل مختبرات التصميم) التي تسمح باستكشاف حلول غير تقليدية وتخيل العالم بشكل مختلف.
4. إرساء دور مركزه الإنسان للتقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي
يدعو هذا المبدأ إلى استخدام مدروس وتقني للذكاء الاصطناعي لضمان تعزيزه لأجندة التنمية المستدامة بدلاً من مفاقمة عدم المساواة الحالية. ورغم قدرة الأدوات الذكية على معالجة البيانات، تصر الوثيقة على أن توليد الفهم والمعرفة يظل مسؤولية بشرية، مما يتطلب تجربة مسؤولة توازن بين التعلم الرقمي والتعلم الحضوري وتحمي العمليات التعليمية الأصلية من خطر “الاستبدال التقني”.
5. تبني أخلاقيات التعاون والتضامن
يجب أن يتحول قطاع التعليم العالي لتصبح “المشاركة” هي السمة البارزة فيه بدلاً من التنافسية المفرطة، سواء في أساليب التدريس أو في هيكلة الأنظمة. ويشمل ذلك تبني استراتيجيات “العلم المفتوح” وتعزيز الحركية الأكاديمية الدولية، مما يساهم في تحسين التفاهم بين الثقافات وبناء شروط السلام الدائم في ظل التوترات الجيوسياسية العالمية.
6. مركزية الاستدامة والإشراف والتجديد
تتبنى الجامعات دور الحارس لـ “المشاع المعرفي العالمي”، حيث يجب عليها مواءمة عملياتها وبحوثها مع أهداف التنمية المستدامة والمواءمة مع المتطلبات العالمية . ويتجاوز الأمر مجرد الحماية إلى تبني مناهج “تجديدية” تهدف إلى إصلاح ما تضرر، وتصميم أنظمة بشرية متطورة تتناغم مع الأنظمة البيئية الطبيعية، مما يهيئ المتعلمين لبناء اقتصادات خضراء ومجتمعات مستدامة.
7. دعم الفهم المثري للجودة والتميز والارتباط
يرفض هذا المبدأ اعتبار “الجودة” مجرد مقاييس رمزية أو أرقام في تصنيفات دولية، ويدعو بدلاً من ذلك إلى تعريفها من خلال الأثر الاجتماعي الفعلي للعمل الأكاديمي. ويتحقق ذلك من خلال ربط المناهج باحتياجات سوق العمل المتغيرة وبأهداف التنمية المستدامة، مع التأكيد على أن “الارتباط” (Relevance) يتم تعزيزه محلياً عبر التعاون الوثيق بين الجامعات والجهات الفاعلة في المجتمع
مسارات التحول
تنتقل وثيقة اليونسكو من المبادئ النظرية إلى العمل التطبيقي من خلال ما تسميه “مسارات التحول” (Lines of Transformation). هذه المسارات ليست “خطة ثابتة” بل هي اتجاهات مقترحة للتغيير تختلف باختلاف السياقات المحلية والظروف الوطنية.
تنقسم هذه المسارات إلى ثلاثة مستويات رئيسية تهدف إلى إعادة صياغة مشهد التعليم العالي بالكامل:
1. على مستوى نظم التعليم العالي (Systems)
يجب أن تتحول النظم الكلية من عقلية الحماية والمنافسة إلى الانفتاح والتكامل:
- من الإقصاء والندرة إلى الانفتاح والاحتواء: الانتقال من اعتبار المقاعد الجامعية موارد محدودة مخصصة للنخبة إلى اعتبار المعرفة مورداً غير ناضب يجب أن يتاح للجميع بإنصاف.
- من الهرمية والتشتت إلى التكامل المرن والمتناغم: تعزيز التعاون بين المؤسسات وتسهيل انتقال الطلاب بين التخصصات والجامعات والدول عبر أنظمة اعتراف متبادل بالمؤهلات.
2. على مستوى المؤسسات الأكاديمية (Institutions)
يتطلب هذا التحول إعادة صياغة هوية الجامعة ودورها المجتمعي:
- من الشهادات النهائية إلى التعلم مدى الحياة: التوقف عن رؤية الجامعة كمرحلة تنتهي بالحصول على شهادة، وتبني مسارات مرنة تعترف بالخبرات السابقة وتدعم التعلم في جميع مراحل العمر.
- من التخطيط الجامد للقوى العاملة إلى الارتباط الديناميكي بالسوق: تحويل الجامعات إلى مراكز ابتكار وحاضنات للأعمال، مع تدريب الطلاب ليكونوا صُنّاع فرص عمل ومبدعين في اقتصاد متغير.
- من صوامع التخصصات المنعزلة إلى البحث الكلي المتصل: كسر الحواجز التقليدية بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية للوصول إلى فهم شامل للمشكلات المعقدة مثل الأزمات الصحية والبيئية.
3. على مستوى أنماط تعلم الطلاب (Student Learning)
يركز هذا المستوى على تغيير جوهر التجربة التعليمية اليومية للطلاب:
- من التلقين التقليدي إلى التعلم النشط والقائم على المشاريع: استبدال طرق “الاستماع والتكرار” بمنهجيات تشرك الطالب فعلياً في حل مشكلات واقعية عبر المختبرات الحية والتدريب الميداني.
- من التعليم المجرد إلى الارتباط بالاحتياجات المستقبلية: جعل التعلم ملموساً ومرتبطاً بتطلعات الأفراد والمجتمعات والوعي بالمسؤولية تجاه الكوكب.
وتعمل هذه المسارات كبوصلة تهدف لمساعدة الجامعات على التحول من مؤسسات تكتفي بنقل المعرفة إلى قوى محركة قادرة على صياغة مستقبل أكثر عدلاً واستدامة وسلاماً
دلالات للبحث والممارسة في تكنولوجيا التعليم
تقدم الوثيقة عدة مبادئ يمكن توظيفها في مجال تكنولوجيا التعليم، من أبرزها:
- الانتقال من “رقمنة التعليم” إلى “تحويل التعليم رقميًا”: تؤكد الوثيقة أن التحسينات التدريجية في الأنظمة القائمة لم تعد كافية. وبدلاً من ذلك، تدعو إلى استبدال الإصلاحات التقليدية بـ “أجندات تعليمية تحويلية” تتضمن تغيير شكل السياسات والممارسات التربوية بالكامل. فالتحول الرقمي ليس مجرد إضافة أدوات، بل هو إعادة تكوين للعلاقة بين المعرفة والأنظمة التعليمية والجمهور.
- تصميم تجارب تعلم إنسانية في ظل هيمنة الذكاء الاصطناعي: تبرز الوثيقة أن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد “يفرغ” عمليات التعلم الأصيلة من محتواها. لذا، تشدد على ضرورة أن تظل الأنشطة التعليمية الجوهرية مثل القراءة، والكتابة، والتفكير النقدي، والمناظرة في قلب العملية التعليمية. الهدف هو استخدام التكنولوجيا لتعزيز القدرات البشرية وضمان أن تظل “السيادة” للإنسان في توليد الفهم والمعرفة.
- إعادة تعريف المنصات التعليمية كمنظومة مرنة ومستمرة: يجب أن تبتعد المنصات عن كونها مجرد مستودعات للمحتوى لتصبح جزءاً من “أنظمة تعليمية شاملة”. تدعو الوثيقة إلى دمج هذه المنصات ضمن إطار “تكامل مرن ومتناغم” يسمح للمتعلمين بالتنقل بين المؤسسات والدول بسهولة. هذا التحول يتطلب الانتقال من عقلية “الندرة والإقصاء” إلى بارايدم “الانفتاح والاحتواء”.
النماذج الجديدة التي تفتح الوثيقة المجال لتطويرها
- الجامعات الرقمية الهجينة: تشير الوثيقة إلى أهمية إيجاد “التوازن الصحيح” بين التعلم عبر الإنترنت والتعلم الحضوري. وتوفر النماذج الهجينة فرصاً تعليمية جديدة تفتح أبواب التعليم العالي لفئات أوسع، مثل أولئك الذين يجمعون بين الدراسة والعمل بدوام كامل أو مهام الرعاية الأسرية.
- أنظمة الاعتماد القائمة على المهارات: تروج الوثيقة بقوة لنموذج “الاعتمادات المصغرة” (Micro-credentials) و”الاعتراف بالتعلم السابق”. هذا النموذج يغير التركيز من الدرجات العلمية التقليدية النهائية إلى مسارات تعليمية مرنة تثمن المهارات المكتسبة في أماكن العمل أو السياقات الثقافية والمجتمعية المختلفة.
- التعلم القائم على البيانات والتحليلات التعليمية: تقر الوثيقة بوجود أدوات تقنية وذكاء اصطناعي تساعد في معالجة كميات هائلة من المعلومات والبيانات. يمكن توظيف هذه التحليلات في “إعادة تشكيل إنتاج المعرفة الأكاديمية” وفهم كيفية تطور التكنولوجيا لضمان استخدامها الأخلاقي والعادل بما يخدم الصالح العام العالمي.
هل يعني هذا التحول إنتقال التعليم العالي من خدمة إلى سلعة ؟
لم يرد هذا السؤال تحديدا في سياق الوثيقة إلا أن القارئ لهذه الوثيقة لا يستطيع أن ينحي هذا السؤال جانبا فهو يطرح نفسه بمجرد قراءة المبادئ الواردة بها وحتى خطوط أو مسارات التحول ، فهل يعني عدم توافر القدرة المادية عن فشل عملية التحول أو استحالتها ؟
الإجابة هنا بناءا عن فهم الكاتب لسياق الوثيقة ولم يرد السؤال ولا إجابته بشكل مباشر.
تؤكد وثيقة اليونسكو لعام 2026 بشكل قاطع أن التعليم العالي ليس “سلعة” (Commodity) تخضع لقوانين السوق، بل هو “منفعة عامة عالمية” (Global Common Good). ويمكن ملاحظة ذلك من خلال النقاط التالية:
1. التعليم العالي ليس سلعة أو مصلحة فردية
- ترفض اليونسكو رؤية التعليم العالي كمسألة خاصة أو مصلحة فردية يمكن تسليعها ( تحويلها إلى سلعة بمقابل مادي).
- تشير الوثيقة بوضوح إلى أن التعليم العالي هو “تعهد عام” (Public Undertaking) وليس مجرد خدمة تجارية.
2. التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان
- تعتبر الوثيقة التعليم العالي جزءاً لا يتجزأ من الحق في التعليم النوعي مدى الحياة.
- هذا الحق محمي بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان الذي يضمن إتاحته للجميع على أساس القدرة والكفاءة.
3. التعليم مسؤولية الدولة والتوجه نحو المجانية
- ترى الوثيقة أن التعليم العالي هو مسؤولية أساسية تقع على عاتق الدول.
- تدعو الوثيقة إلى “الإدخال التدريجي للتعليم المجاني”، بدلاً من كونه خدمة بمقابل مادي يحول دون وصول الفئات الفقيرة.
- تشدد على ضرورة توفير تمويل عام كافٍ لضمان أن تكون مؤسسات التعليم العالي ميسورة التكلفة (Affordable) للجميع.
4. التعليم يعمل على بناء “ثروة اجتماعية” لا أرباح مادية
- التعليم العالي يبني “ثروة اجتماعية” وقيمة مشتركة، مثل تعزيز الديمقراطية، سيادة القانون، والتضامن الاجتماعي، وهي قيم لا يمكن تقييمها كسلعة مادية.
- تهدف الجامعات إلى تنمية المعرفة كأحد أثمن موارد البشرية التي لا تنضب، وليست كمنتج يتم استهلاكه.
بناءً على هذه المبادئ، فإن أي محاولة لتأطير التعليم العالي كـ “خدمة بمقابل مادي” فقط تتناقض مع رؤية اليونسكو التي تسعى لبناء “عقد اجتماعي جديد للتعليم” يضمن الإنصاف والعدالة.
بوابة تكنولوجيا التعليم أول بوابة عربية تهتم بتكنولوجيا التعليم والتعليم الإلكتروني منذ عام 2003
