
يقدم المقال قراءة نقدية مقارنة بين ميثاقين لاخلاقيات الذكاء الاصطناعي بالدول العربية ، الميثاق الأول هو ؛ ميثاق الأليكسو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وأما الثاني الدليل الاسترشادي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي ( مجلس التعاون لدول الخليج العربي). حيث تكتسب مواثيق أخلاقيات الذكاء الاصطناعي أهمية متزايدة على المستويين الوطني والإقليمي، باعتبارها أداة معيارية لتوجيه تطوير هذه التقنية واستخدامها ضمن حدود أخلاقية وقانونية واضحة. فعلى المستوى الوطني، تساعد هذه المواثيق الدول على مواءمة الابتكار التقني مع حماية الحقوق الأساسية، مثل الخصوصية، وعدم التمييز، والشفافية، والمساءلة، كما تسهم في بناء الثقة بين الحكومات والمؤسسات والمواطنين تجاه الأنظمة الذكية. أما على المستوى الإقليمي، فإن المواثيق المشتركة تتيح تنسيق السياسات بين الدول المتقاربة ثقافياً واقتصادياً، وتساعد على تقليل الفجوات الرقمية، وتدعم تبادل الخبرات وبناء قدرات مشتركة في مجالات التعليم والصحة والإدارة والبحث العلمي، بما يضمن أن يكون الذكاء الاصطناعي رافعة للتنمية لا مصدراً جديداً للمخاطر أو اللامساواة.
وقد برزت عالمياً نماذج متعددة تؤكد هذا التوجه، من أبرزها توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، التي تعد من أوائل الأطر الدولية الشاملة التي ربطت الذكاء الاصطناعي بحقوق الإنسان والتنمية المستدامة وحماية البيئة. كما طورت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مبادئ للذكاء الاصطناعي المسؤول ركزت على النمو الشامل، والشفافية، والمتانة، والمساءلة. وفي السياق الأوروبي، مثّل قانون الذكاء الاصطناعي للاتحاد الأوروبي نموذجاً تنظيمياً متقدماً يقوم على تصنيف التطبيقات بحسب مستوى المخاطر، وفرض التزامات أكثر صرامة على الأنظمة عالية الخطورة. وتكشف هذه النماذج أن الحوكمة الأخلاقية للذكاء الاصطناعي لم تعد خياراً تكميلياً، بل أصبحت شرطاً أساسياً لضمان توظيف التقنية في خدمة الإنسان والمجتمع، مع الحد من آثارها السلبية المحتملة.

تُعد توصية اليونسكو بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، المعتمدة في نوفمبر 2021، من أوائل الأطر الدولية الشاملة التي سعت إلى توجيه تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه وفق مبادئ حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية والعدالة والشفافية والمساءلة، مع ربط هذه المبادئ بأهداف التنمية المستدامة وحماية البيئة والنظم الإيكولوجية. وتنبع أهمية هذه التوصية من كونها تقدم مرجعية عالمية للدول والمؤسسات عند صياغة السياسات والتشريعات الوطنية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، بحيث لا يُنظر إلى التقنية فقط من زاوية الابتكار والكفاءة، بل أيضاً من زاوية آثارها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والبيئية، وضرورة ضمان ألا تؤدي إلى تعميق التمييز أو الفجوات الرقمية أو انتهاك الخصوصية. ويمكن الاطلاع على النص الرسمي للتوصية عبر موقع اليونسكو من خلال الرابط الآتي:
https://unesdoc.unesco.org/ark:/48223/pf0000381133/PDF/381133eng.pdf.multi.page=131
وتعكس الوثيقتان محلّ المراجعة اتجاهاً عربياً متزايداً نحو تأطير الذكاء الاصطناعي أخلاقياً، ليس بوصفه أداة تقنية محايدة، بل باعتباره منظومة اجتماعية ومعرفية وقانونية ذات آثار عميقة في التعليم والثقافة والبحث العلمي والقضاء والإدارة العامة وحقوق الإنسان. وتتمثل الوثيقة الأولى في ميثاق الألكسو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي الصادر عن المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في يونيو/جوان 2025، وهو ميثاق موجّه أساساً إلى مجالات التربية والثقافة والعلوم في الدول العربية. أما الوثيقة الثانية فهي الدليل الاسترشادي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي الصادر عن الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية عام 2025، ويقدّم إطاراً إرشادياً لدول المجلس يربط بين الابتكار والثقة والحوكمة وحماية الحقوق.
تهدف هذه المقالة إلى مراجعة كل وثيقة على حدة، ثم تحليل نقاط الالتقاء والاختلاف بينهما، وتقديم توصيات تطويرية يمكن أن تعزز قيمتهما العملية والأكاديمية، ولا سيما في سياق الذكاء الاصطناعي في التعليم وأخلاقيات التكنولوجيا.
أولاً: ميثاق الألكسو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي
منظمة الألكسو، أو المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، هي منظمة عربية متخصصة تابعة لجامعة الدول العربية، تُعنى بتطوير مجالات التربية والثقافة والعلوم والاتصال في الدول العربية، وتعزيز التعاون والتكامل بينها في هذه المجالات. تأسست المنظمة في 25 يوليو 1970، وتتخذ من تونس مقراً لها، وتهدف إلى دعم التنمية المعرفية والثقافية في الوطن العربي، والارتقاء بالسياسات التعليمية والعلمية، وحماية اللغة العربية والتراث الثقافي العربي، وتشجيع البحث العلمي والابتكار، بما يسهم في بناء مجتمع عربي معرفي قادر على مواكبة التحولات العالمية مع الحفاظ على هويته وقيمه الحضارية.
الإطار العام والأهداف
ينطلق ميثاق الألكسو من موقع المنظمة بوصفها مؤسسة عربية متخصصة في التربية والثقافة والعلوم. لذلك لا يتعامل الميثاق مع الذكاء الاصطناعي بوصفه قضية تقنية عامة فحسب، بل بوصفه تحوّلاً يمسّ البنية التعليمية والثقافية والعلمية للمجتمعات العربية. وتؤكد مقدمته أن الذكاء الاصطناعي أصبح مؤثراً في الاقتصاد والتعليم والصحة والإعلام، وأن هذا التأثير يقتضي إطاراً أخلاقياً يضمن التنمية المستدامة واحترام حقوق الإنسان والقيم الثقافية والإنسانية الراسخة.
تتمثل أهداف الميثاق في وضع معايير أخلاقية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الدول العربية، وحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية، وتشجيع الابتكار والبحث العلمي المسؤول، وتعزيز العدالة والمساواة الاجتماعية، ودعم التنمية المستدامة، والحفاظ على الهوية الثقافية العربية والتراث العربي، وضمان الشفافية والمساءلة والالتزام بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
الموضوعات الرئيسة
أبرز ما يميز ميثاق الألكسو هو تركيزه الصريح على ثلاثة مجالات: التربية، الثقافة، العلوم. ففي مجال التربية، يبرز الذكاء الاصطناعي كوسيلة لتحسين جودة التعليم، وتخصيص التعلم، ودعم المعلمين والطلاب. وفي المجال الثقافي، يربط الميثاق الذكاء الاصطناعي بحماية التراث العربي وتعزيز الإبداع الرقمي ونشر الثقافة العربية. أما في مجال العلوم، فينظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة لتطوير البحث العلمي المسؤول والتعاون بين الباحثين ومعالجة التحديات البيئية والمناخية والاقتصادية.
وتتمحور القيم الحاكمة للميثاق حول الكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، والتنمية المستدامة، والابتكار المسؤول، مع إضافة بُعد مميز يتمثل في حماية الخصوصية الثقافية العربية الإسلامية والتفاعل الإيجابي مع الثقافات الأخرى. كما يعرض الميثاق المخاطر التي تواجه الدول العربية، ومنها الفجوة التقنية والمعرفية، ونقص السياسات والتشريعات، والتحديات الاقتصادية، والقلق الاجتماعي والثقافي، والأمن السيبراني، وعدم المساواة في توزيع التكنولوجيا.
المنهجية المتبعة
يعرض ميثاق الألكسو منهجية إعداد واضحة نسبياً؛ فقد شملت تحديد الأهداف ومجالات التطبيق، وتحديد الجهات المعنية وأصحاب المصلحة، وعقد موائد مستديرة على مستوى الدول العربية، وإجراء مشاورات مع الخبراء، ودراسة تحليلية للمواثيق العربية والدولية، ثم صياغة الميثاق ومراجعته من خبراء في الأخلاقيات لضمان دقة الصياغة وملاءمتها للقيم والأعراف الثقافية العربية.
هذه المنهجية تعطي الوثيقة مشروعية تشاركية تعكس التوجهات الدولية والخصوصية المحلية، لأنها لا تكتفي بالنقل عن المرجعيات الدولية، بل تحاول مواءمتها مع الخصوصيات العربية. لكن على جانب آخر لا يوضح الميثاق بدرجة كافية كيف تمثلت مشاركة الطلاب والمعلمين والمؤسسات البحثية والمجتمع المدني، وهي فئات أساسية عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي في التعليم والثقافة.
نظرة نقدية
يمتاز ميثاق الألكسو باتساع نطاقه العربي ووضوح صلته بمجالات التربية والثقافة والعلوم. كما يحسب له إدراج الذكاء الاصطناعي التوليدي ضمن التعريفات والمفاهيم، وهو أمر مهم في ضوء التحولات التعليمية الراهنة. كذلك يقدّم الميثاق رؤية متوازنة بين الانفتاح على المواثيق الدولية، مثل توصية اليونسكو، وبين حماية الخصوصية الثقافية العربية.
غير أن الميثاق يميل أحياناً إلى الطابع المعياري العام، ولا يقدّم أدوات تنفيذية كافية. فهو يحدد القيم والمبادئ، لكنه لا يفصّل بما يكفي آليات الامتثال والتطبيق، أو نماذج تقييم المخاطر، أو مؤشرات قياس العدالة الخوارزمية في المؤسسات التعليمية، أو متطلبات الإفصاح عند استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في التقييم الأكاديمي والتعلم الشخصي.
ثانياً: الدليل الاسترشادي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي ( مجلس التعاون لدول الخليج العربي)
مجلس التعاون لدول الخليج العربية هو منظمة إقليمية تأسست عام 1981 وتضم ست دول هي: المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، ودولة الكويت، ودولة قطر، ومملكة البحرين، وسلطنة عُمان. يهدف المجلس إلى تعزيز التنسيق والتكامل والترابط بين دوله الأعضاء في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والثقافية، وصولاً إلى تحقيق قدر أكبر من الوحدة والتعاون المشترك. كما يعمل المجلس على تطوير السياسات الخليجية المشتركة، ودعم التنمية المستدامة، وتعزيز مكانة دول الخليج في محيطها العربي والإقليمي والدولي، مستنداً إلى الروابط الجغرافية والتاريخية والثقافية والاجتماعية التي تجمع شعوب المنطقة.
الإطار العام والأهداف
صدر الدليل عن الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ويأتي في سياق مؤسسي واضح يرتبط بتطوير العمل الحكومي والقضائي والرقمي. وتوضح الكلمة التقديمية أن الدليل امتداد لمؤتمر حول تقنية المعلومات والذكاء الاصطناعي لعمل المحاكم بدول المجلس، وأن الهدف منه توظيف الذكاء الاصطناعي أخلاقياً وفعّالاً بما يعزز العدالة والكفاءة ويحافظ على حقوق الأفراد والمجتمعات.
يركز الدليل على بناء ذكاء اصطناعي جدير بالثقة، ويصرح بأنه أُعد بالاستناد إلى توصية اليونسكو الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي لعام 2021 السابق الإشارة إليها عند حديثنا عن الوثيقة الأولى. كما يربط بين دعم الابتكار وحماية المصالح الحيوية لدول المجلس وأمنها الوطني من المخاطر والتهديدات التي قد تنشأ عن الذكاء الاصطناعي أو غيره من التقنيات.
الموضوعات الرئيسة
ينظم الدليل الخليجي رؤيته حول منظومة من القيم والمبادئ. تشمل القيم الأساسية احترام كرامة الإنسان وحريته واستقلاليته، واحترام الشريعة الإسلامية والدستور وتعزيز اللحمة الخليجية، وحماية البيئة وتعزيز الاستدامة، والاستخدام السلمي لتحقيق رفاهية الإنسان الخليجي.
أما المبادئ، فتشمل بوضوح: بقاء القرار للبشر ( على المستوى الاستراتيجي)، السلامة ومنع الضرر، العدالة والإنصاف وعدم التمييز، حماية الخصوصية والبيانات، إضافة إلى مبادئ أخرى تتصل بالحوكمة والشفافية والمساءلة في سياق الدليل. ويتميز الدليل بأنه يرفق بعض المبادئ بتوصيات عملية، مثل تفعيل الرقابة البشرية، ووضع نقاط تراجع أو آليات استرجاع في الأنظمة عالية المخاطر، وآليات تقييم دقة التنبؤات والقرارات، والتحقق من موثوقية الأنظمة.
المنهجية المتبعة
لا يعرض الدليل الخليجي منهجية إعداد تفصيلية بالقدر نفسه الذي يعرضه ميثاق الألكسو، لكنه يوضح مرجعيته العامة: فهو نتيجة عمل مشترك بين لجان خليجية، منها لجنة رؤساء المحاكم العليا والتمييز واللجنة الوزارية للحكومة الإلكترونية، كما يستند إلى توصية اليونسكو. ويبدو من بنيته أنه يتبع منهجاً معيارياً تطبيقياً: يبدأ بتعريف المخاطر، ثم يحدد قيماً ومبادئ، ثم يضيف توصيات ومقترحات لتحقيق بعض المبادئ.
هذه المنهجية تجعل الوثيقة أقرب إلى “دليل سياساتي تنفيذي” منها إلى “ميثاق فلسفي شامل”. فهي تستهدف صانع القرار والمؤسسات الحكومية والتنظيمية أكثر من استهدافها للباحثين أو المعلمين أو المؤسسات الثقافية.
نظرة نقدية
تتمثل قوة الدليل الخليجي في وضوح علاقته بالحوكمة والثقة والسلامة. وهو أكثر حساسية من ميثاق الألكسو تجاه قضايا الأمن الوطني، العمل القضائي، الرقابة البشرية، ونقاط التراجع في الأنظمة عالية المخاطر. كما يقدّم تصوراً أكثر إجرائية لبعض مبادئ السلامة والاختبار والموثوقية.
مع ذلك، يظل الدليل محدوداً نسبياً من حيث التفصيل المرتبط بقطاعات بعينها، ولا سيما في التعليم والثقافة. فعلى الرغم من إشارته إلى أثر الذكاء الاصطناعي في التربية والتعليم، فإنه لا يطور إطاراً خاصاً للتعلم الآلي في المدارس والجامعات، ولا يتناول بتفصيل كافٍ قضايا مثل النزاهة الأكاديمية، الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، حماية بيانات الطلاب، أو العدالة في أنظمة التقييم التعليمية.
نقاط الاتفاق بين الوثيقتين
تتفق الوثيقتان في عدد من المرتكزات الجوهرية. أولها أن الذكاء الاصطناعي يحمل فرصاً ومخاطر في آن واحد، وأن الاستفادة منه لا تكون مشروعة إلا عبر حوكمة أخلاقية واضحة. وثانيها مركزية الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان والعدالة وعدم التمييز، إذ تؤكد الألكسو ضرورة الاستخدام المسؤول بما يعزز العدالة والشفافية والاحترام المتبادل، بينما يؤكد الدليل الخليجي أن القيم والمبادئ يجب أن تتمحور حول حماية كرامة الإنسان وحقوقه والبيئة والصالح العام.
وتلتقي الوثيقتان أيضاً في استلهام المرجعيات الدولية، خصوصاً توصية اليونسكو لعام 2021. كما تشتركان في إدراك أهمية الخصوصية الثقافية والدينية العربية، وإن اختلفت طريقة التعبير عنها: فالألكسو تتحدث عن الهوية العربية الإسلامية والتراث العربي والتنوع الثقافي، بينما يركز الدليل الخليجي على الشريعة الإسلامية، والدستور، واللحمة الخليجية.
كذلك تتفق الوثيقتان على أهمية حماية البيانات والخصوصية، ومواجهة التحيز والتمييز، ودعم الاستدامة البيئية، وتعزيز الابتكار المسؤول. هذه العناصر تجعل الوثيقتين جزءاً من مسار عالمي أوسع يسعى إلى الانتقال من الانبهار التقني إلى المسؤولية الأخلاقية والمؤسسية.
نقاط الاختلاف بين الوثيقتين
يكمن الاختلاف الأول في نطاق التطبيق. فميثاق الألكسو عربي شامل وموجه إلى التربية والثقافة والعلوم، ويخاطب الدول العربية والمؤسسات التعليمية والثقافية والبحثية. أما الدليل الخليجي فهو إقليمي خليجي، أكثر التصاقاً بمؤسسات الدولة والحوكمة والعمل القضائي والحكومة الإلكترونية. لذلك تبدو وثيقة الألكسو أوسع من حيث المجال الثقافي والتربوي، بينما يبدو الدليل الخليجي أكثر تركيزاً على الحوكمة المؤسسية والسلامة والثقة.
أما الاختلاف الثاني فيتعلق بمستوى المعالجة الإجرائية. ميثاق الألكسو يقدّم إطاراً قيمياً ومنهجياً شاملاً، لكنه يبقى في كثير من مواضعه عاماً. في المقابل، يتضمن الدليل الخليجي توصيات أكثر قرباً من التطبيق، مثل الرقابة البشرية، ونقاط التراجع، وتقييم دقة التنبؤات، والتحقق من الموثوقية.
ويتعلق الاختلاف الثالث بالمنظور الثقافي. فالألكسو تؤطر الثقافة بوصفها مجالاً إنتاجياً ومعرفياً وتعليمياً، وتربط الذكاء الاصطناعي بحفظ التراث والإبداع الرقمي والتفاعل مع الثقافات الأخرى. أما الدليل الخليجي فيؤطر الثقافة غالباً ضمن القيم الدينية والوطنية والخليجية وسيادة القانون.
أما الاختلاف الرابع فيتصل بالذكاء الاصطناعي التوليدي. يتضمن ميثاق الألكسو تعريفاً صريحاً للذكاء الاصطناعي التوليدي ويدرك أثره في التعليم والثقافة، بينما لا يظهر في الدليل الخليجي بالوضوح نفسه، رغم أن قضاياه — مثل التضليل، والانتحال، وتوليد المحتوى المتحيز — أصبحت أساسية في القضايا المرتبطة بأخلاقيات التعليم والبحث في ضوء استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديدا.
توصيات للإصدار القادم من ميثاق الألكسو
ينبغي أن ينتقل ميثاق الألكسو في إصداره القادم بإذن الله تعالى من مستوى المبادئ العامة إلى مستوى الأدوات العملية. ويمكن تحقيق ذلك عبر إدراج ملاحق تنفيذية خاصة بالقطاعات أكثر تفصيلا مثل: التعليم قبل الجامعي، التعليم العالي، البحث العلمي، الثقافة والتراث، والمنصات الرقمية. كما يُستحسن وضع نموذج عربي لتقييم الأثر الأخلاقي لأنظمة الذكاء الاصطناعي في التعليم( وهو مجال جيد في البحث العلمي كذلك ) ، يشمل حماية بيانات الطلاب، قابلية تفسير القرارات، العدالة في التقييم، وإشراك المعلمين والمتعلمين في تصميم الأنظمة.
كذلك يحتاج الميثاق إلى مؤشرات قياس واضحة للرصد والتقييم. فإشارته إلى آليات الرصد وتطوير المؤشرات مهمة، لكنها تحتاج إلى ترجمة عملية: ما المؤشرات؟ من يقيسها؟ ما دور الجامعات؟ ما دور وزارات التعليم؟ وما طبيعة التقارير الدورية؟ وأن يلحق ذلك بأدوات تطبيقية.
ومن المفيد أيضاً أن يضيف الميثاق فصلاً خاصاً بالذكاء الاصطناعي التوليدي في التعليم، يتناول النزاهة الأكاديمية، الإفصاح عن استخدام الأدوات، حقوق الملكية الفكرية، تدريب المعلمين، وحماية اللغة العربية من التهميش أو التشويه الخوارزمي.
توصيات للإصدار القادم من الدليل الخليجي
يستفيد الدليل الخليجي من التوسع في استخدام الذكاءالاصطناعي في عدد من القطاعات المختلفة، ولا سيما في التربية والتعليم والصحة والإعلام والقضاء. فالوثيقة قوية في المبادئ العامة والحوكمة، لكنها تحتاج إلى أدلة فرعية تطبيقية بحسب القطاع. وفي المجال التعليمي تحديداً، ينبغي تطوير إرشادات حول استخدام أنظمة التقييم الآلي، وتحليلات التعلم، والمنصات التكيفية، وأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي في المدارس والجامعات.
كما يوصى بتعزيز البعد التشاركي في إعداد الدليل. فالإشارة إلى اللجان الحكومية والقضائية مهمة، لكنها لا تكفي لضمان قبول مجتمعي واسع. من الضروري إشراك الطلاب والمعلمين وأولياء الأمور والباحثين ومطوري التقنية ومؤسسات المجتمع المدني، لأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي ليست شأناً تنظيمياً فقط، بل شأناً اجتماعياً ومعرفياً.
ويحتاج الدليل كذلك إلى إطار واضح للمساءلة. فوجود مبادئ مثل الخصوصية والعدالة والرقابة البشرية يجب أن يقترن بآليات تظلم، وتدقيق مستقل، ونشر تقارير شفافية، وتحديد مسؤوليات المطور والمزود والمستخدم والجهة الحكومية عند وقوع الضرر.
كلمة أخيرة
يمثل ميثاق الألكسو والدليل الاسترشادي الخليجي خطوتين مهمتين في بناء خطاب عربي حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي. فالأول يمنح هذا الخطاب بعداً تربوياً وثقافياً وعلمياً عربياً واسعاً، بينما يمنحه الثاني بعداً مؤسسياً وحوكمياً خليجياً أكثر اقتراباً من قضايا الثقة والسلامة والرقابة. وتكمن القيمة الكبرى في قراءة الوثيقتين معاً: فميثاق الألكسو يذكّر بأن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن ينفصل عن التعليم والثقافة والهوية، والدليل الخليجي يذكّر بأن القيم الأخلاقية لا تكتمل من دون آليات حوكمة ورقابة واختبار ومساءلة.
غير أن التحدي القادم لا يتمثل في صياغة مبادئ جديدة بقدر ما يتمثل في تحويل هذه المبادئ إلى سياسات قابلة للتنفيذ، ومؤشرات قابلة للقياس، وممارسات مؤسسية قابلة للمراجعة. عندئذ فقط يمكن للذكاء الاصطناعي في السياق العربي أن ينتقل من كونه أداة تقنية واعدة إلى بنية معرفية عادلة، آمنة، ومسؤولة تخدم الإنسان وتحمي كرامته وتثري تعليمه وثقافته ومستقبله.
بوابة تكنولوجيا التعليم أول بوابة عربية تهتم بتكنولوجيا التعليم والتعليم الإلكتروني منذ عام 2003
