كنت من المحظوطين في المجال حين التقيت بهذه القامة العلمية في تسعينات القرن الماضي أثناء تسجيلي لرسالة الماجستير الخاصة بي وتحكيمها بعد ذلك، عرفته من خلال أستاذي أ.د. فتح الباب عبد الحليم سيد، أستاذ تكنولوجيا التعليم ومؤسسها في الوطن العربي، والتقيت أ.د. حسين حمدي الطوبجي في أحد مؤتمرات الجمعية المصرية لتكنولوجيا التعليم وكان حينها عائدا من إعارته بالخارج ثم تعددت لقاءاتي به في فعاليات عدة، وكنت قبل ذلك قرأت بعض كتبه. وللأسف لم يكن لدي الفرصة الكافية لأنهل من علم هذا العالم الجليل بخلاف الكتب ونقاشاته معي عند تحكيم معايير رسالة الماجستير الخاصة بي والتي كانت حينها عن معايير تصميم الوسائل المتعددة وكان هذا الموضوع في تلك الفترة حديث، مما جعل أ.د. حمدي يهتم بالجلوس معي ومناقشتي. وكأغلب منسوبي مجال تكنولوجيا التعليم جاء خبر وفاة هذا العالم الجليل في حادث سيارة صاعقا وحزينا لكنها مشيئة الله فأسأل الله العظيم أن يرحمه رحمة واسعة وأن يجعل علمه في ميزان حسناته.
في الاسطر القليلة القادمة جمعت ما أتيح لي من معلومات عن العالم الجليل كمحاولة لتعريف الأجيال الجديدة في المجال بجهوده وإسهاماته.
يمثل الأستاذ الدكتور حسين حمدي الطوبجي أحد الأسماء البارزة التي ارتبطت تاريخيًا بتشكّل مجال تكنولوجيا التعليم والوسائل التعليمية في الفكر التربوي العربي خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وتنبع أهمية تجربته العلمية من كونه من أوائل الأكاديميين الذين أسهموا في نقل هذا المجال من مجرد توظيف للأدوات التعليمية إلى إطار نظري وتطبيقي متكامل يرتبط بالتعلم الذاتي، والاتصال التربوي، وتصميم الخبرات التعليمية؛ فيندر أن نجد باحث في تكنولوجيا التعليم بالعالم العربي في فترة أواخر الثمانينات وحتى منتصف التسعينيات لم يستشهد أو يدرس أحد أعماله.
التخصص والسياق العلمي
تُظهر مؤلفات الدكتور الطوبجي وأبحاثه المنشورة في الدوريات والمؤتمرات التربوية العربية أنه انخرط مبكرًا في قضايا تكنولوجيا التعليم، خصوصًا خلال السبعينيات والثمانينيات، وهي المرحلة التي شهدت تحولًا مهمًا في النظرة إلى الوسائل التعليمية من كونها عناصر مساعدة إلى مكونات بنيوية في العملية التعليمية. وقد ركزت أعماله على قضايا مثل التعليم الذاتي، والحقائب التعليمية، والفيديو التعليمي، والأفلام التربوية، بما يعكس وعيًا مبكرًا بأهمية استقلالية المتعلم وتعدد قنوات التعلم.
الإسهامات الأكاديمية والمهنية
تشير المصادر الأكاديمية المتاحة إلى أن الدكتور الطوبجي عمل أستاذًا في مجال تكنولوجيا التعليم، وشارك في أنشطة علمية وندوات أكاديمية في عدد من الجامعات العربية، من بينها مشاركات موثقة في جامعات خليجية. ورغم عدم توفر سيرة ذاتية رسمية منشورة تتضمن تواريخ دقيقة لمناصبه، فإن حضوره العلمي يتجلى بوضوح من خلال استمرارية إنتاجه البحثي وتنوع موضوعاته.
المؤلفات والنتاج العلمي
يُعد كتابه «وسائل الاتصال والتكنولوجيا في التعليم» من أبرز أعماله، وقد مثّل في زمن صدوره مرجعًا مهمًا لطلاب الدراسات التربوية عموما وطلاب أقسام الوسائل التعليمية والمكتبات وفيما بعد تكنولوجيا التعليم على وجه الخصوص، حيث تناول فيه الأسس النظرية والتطبيقية لاستخدام وسائل الاتصال في التعليم، في وقت كان فيه هذا الحقل لا يزال في طور التبلور عربيًا. وإلى جانب هذا الكتاب، نشر عددًا من البحوث التي ناقشت قضايا مثل:
- التعليم الذاتي ومبرراته التربوية،
- مشكلات استخدام الأفلام التعليمية في المدارس،
- تصميم الحقائب التعليمية،
- الكفايات المهنية لاختصاصيي التقنيات التربوية وأمناء المكتبات المدرسية.
وتكشف هذه الموضوعات عن رؤية شمولية تربط بين التكنولوجيا، والمناهج، وإعداد المعلم، وإدارة مصادر التعلم.
الأثر العلمي والفكري
يمكن النظر إلى تجربة الدكتور حسين حمدي الطوبجي باعتبارها جزءًا من الجيل المؤسس لتكنولوجيا التعليم في العالم العربي، وهو جيل انشغل بتأصيل المفاهيم، وبناء المصطلحات، ومحاولة مواءمة النظريات التربوية الحديثة مع السياق التعليمي العربي. وعلى الرغم من محدودية التوثيق الرقمي المعاصر لسيرته، فإن أثره العلمي ما زال حاضرًا من خلال الاستشهاد بأعماله في الدراسات التربوية، واعتماد كتبه وأبحاثه في برامج إعداد المعلمين والدراسات العليا، ومنها كتابه التكنولوجيا والتربية.
يذكر الدكتور في مقدمة كتابه أن علوم التربية قد تأثرت بالتكنولوجيا بدرجات متفاوتة، وظهر أثر ذلك في طرق تطوير المناهج الدراسية، وفي طرق التدريس، والإدارة المدرسية، ووسائل التعليم، وأنماط التعليم، وتصميم المباني المدرسية، وغير ذلك من المجالات التي تتصل بالتربية والتعليم. لهذا فإن كتاب التكنولوجيا والتربية ” يهتم بشرح تفاصيل هذه العلاقة وأثرها في حقل التربية والتعليم“. ويتدرج المؤلف في عرضه لمحتويات هذا الكتاب، من المفاهيم التقليدية السائدة، إلى الأنظمة الحديثة – في هذا العصر- في مجال وسائل التعليم والتكنولوجيا .
كلمة أخيرة
أعتذر إن لم أستطع أن اجمع بيانات عن تاريخ ميلاده أو نشأته أو تخصصه الجامعي الأول وذلك لأنه بسبب إعارته لفترة طويلة وعدم دخول الإنترنت مصر في تلك الفترة فلم تتوافر عنه هذه المعلومات ولعله تقصير مني أنا في جمع المعلومات، كما أتمنى لمن يملك معلومات موثقة أضافية عن هذه القامة العلمية أن يمدنا ببعض ما يتوافر لديه.
ولعل التأريخ للأستاذ الدكتور حسين حمدي الطوبجي ليس مجرد استعادة لسيرة أكاديمية فردية، بل هو توثيق لمرحلة تأسيسية في مسار تكنولوجيا التعليم عربيًا، مرحلة كان فيها الجهد منصبًا على بناء الفهم، وترسيخ المفاهيم، وفتح الطريق أمام أجيال لاحقة طورت هذا المجال في صور رقمية أكثر تقدمًا. ومن هنا، تظل أعماله مرجعًا مهمًا لفهم الجذور الفكرية لتكنولوجيا التعليم في السياق العربي.
بوابة تكنولوجيا التعليم أول بوابة عربية تهتم بتكنولوجيا التعليم والتعليم الإلكتروني منذ عام 2003


