الذكاء الاصطناعي والطلاب : بين الحظر والحوكمة

عرض ومناقشة : د. مصطفى جودت صالح

الذكاء الاصطناعي والطلاب

لم تعد العلاقة بين الطلاب وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة مسألة تقنية أو تعليمية فحسب، بل تحولت إلى قضية تتقاطع فيها سلامة الأطفال، والخصوصية، والصحة النفسية، والنزاهة الأكاديمية، وجودة التعلم، وحقوق الوالدين. وخلال السنوات الأخيرة، انتقل النقاش الأمريكي تدريجيًا من سؤال بسيط: هل ينبغي السماح للطلاب باستخدام ChatGPT؟ إلى سؤال أكثر تعقيدًا: ما العمر المناسب لاستخدام الذكاء الاصطناعي؟ وما التطبيقات التي ينبغي السماح بها؟ وتحت أي مستوى من الإشراف؟

ومن المهم التأكيد أن الولايات المتحدة لا تتبنى سياسة وطنية موحدة تقوم على حظر الذكاء الاصطناعي في التعليم؛ وإنما نشهد مجموعة متزايدة من القوانين والمبادرات على مستوى الولايات والمدن، إلى جانب سياسات المدارس وشركات التكنولوجيا نفسها. والنتيجة هي ظهور اتجاه جديد يمكن وصفه بأنه الانتقال من منع الذكاء الاصطناعي إلى حوكمة استخدامه.

من مكافحة الغش إلى حماية الطفل

كان الدافع الأول وراء القيود المفروضة على أدوات الذكاء الاصطناعي في المدارس هو الخوف من استخدامها في الغش الأكاديمي وكتابة الواجبات والبحوث نيابة عن الطلاب. لكن نطاق المخاوف توسع بصورة كبيرة.

أصبح الاهتمام يتركز كذلك على طبيعة التفاعل بين الأطفال والأنظمة الذكية، خصوصًا التطبيقات التي لا تقدم إجابات معرفية فقط، وإنما تتخذ شكل “رفيق رقمي” أو AI Companion يستطيع إجراء محادثات طويلة وشخصية مع المستخدم.

الذكاء الاصطناعي 
الرفيق الذكي

الرفيق الذكي (AI Companion) هو تطبيق يعمل بالذكاء الاصطناعي لا يقتصر دوره على الإجابة عن الأسئلة أو تنفيذ المهام، بل صُمم لإقامة تفاعل مستمر وشخصي مع المستخدم يحاكي في بعض جوانبه العلاقة الاجتماعية أو العاطفية؛ إذ يعتمد على المحادثة الطبيعية والتخصيص والذاكرة، وقد يحاكي التعاطف ويطور شخصية تفاعلية تجعل المستخدم يشعر بأنه يتعامل مع صديق أورفيق افتراضي. ويختلف بذلك عن المساعد الذكي (AI Assistant) الذي يركز أساسًا على إنجاز مهام محددة مثل البحث والكتابة والتلخيص والتعلم. وتزداد حساسية هذا النوع من التطبيقات عند استخدام الأطفال والمراهقين له، لأن التفاعل قد يتجاوز الحصول على المعلومات إلى تكوين ارتباط عاطفي أو اعتماد نفسي على النظام، مما يثير قضايا تتعلق بالسلامة والخصوصية والحدود الأخلاقية.

وهنا تبرز أسئلة مختلفة تمامًا عن أسئلة النزاهة الأكاديمية التي اعتدنا طرحها على الطلاب، مثلا: هل يستطيع الطفل التمييز بين الإنسان والآلة؟ هل يمكن أن ينشأ ارتباط عاطفي مفرط مع النظام؟ وكيف ينبغي للنظام أن يتعامل مع طفل يعبر عن مشاعر أو أفكار تنطوي على مخاطر؟

لهذا السبب أصبحت بعض المبادرات التشريعية الأمريكية تركز بصورة خاصة على التحقق من العمر، والضوابط الأبوية، والإفصاح عن الطبيعة غير البشرية للنظام، وآليات التعامل مع المحتوى الخطير.

نيويورك: تجربة لافتة في حوكمة الذكاء الاصطناعي في التعليم

تمثل مدينة نيويورك واحدة من أكثر التجارب إثارة للاهتمام في هذا السياق. ففي سبتمبر 2026 أعلنت المدينة وقف استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي يتعامل معها الطلاب في المراحل من 2-K حتى الصف الثامن لمدة عام دراسي، في خطوة تؤثر في مئات الآلاف من الطلاب.

لكن القرار لا يمثل رفضًا للذكاء الاصطناعي باعتباره تقنية تعليمية. فالسياسة تميز بين الاستخدام المباشر غير المنضبط لأدوات الذكاء الاصطناعي من جانب الأطفال الأصغر سنًا وبين تعليم الطلاب الأكبر سنًا كيفية فهم هذه التكنولوجيا والتعامل معها بصورة نقدية.

وبالنسبة لطلاب المرحلة الثانوية، يتجه النموذج إلى تقديم تعليم يتعلق بالذكاء الاصطناعي والتفكير النقدي، مع تجريب أدوات مختارة في بيئات أكثر ضبطًا وتحت إشراف المعلمين. وهنا تكمن أهمية تجربة نيويورك: فهي لا تطرح معادلة “الذكاء الاصطناعي نعم أو لا”، وإنما تقدم معادلة أكثر دقة:

العمر + نوع التطبيق + الغرض التعليمي + مستوى الإشراف = قرار الاستخدام.

حساسية تطبيقات الرفيق الذكي AI Companion

برز مفهوم تطبيقات الرفيق الذكي (AI Companion Apps) في السنوات الأخيرة كتطبيقات تستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي ومعالجة اللغة الطبيعية لتقديم تفاعل شخصي ومستمر يشبه إلى حد ما التواصل مع رفيق بشري. ومن أبرز خصائصها؛ المحادثة باللغة الطبيعية، الذاكرة طويلة المدى، تخصيص الشخصية، التفاعل الصوتي، فهم المشاعر وتحليل النبرة، والتكيف مع تفضيلات المستخدم. كما يشار إلى استخداماتها في الدعم العاطفي، مكافحة الشعور بالوحدة، الترفيه، التعلم، والإرشاد الشخصي، مع التأكيد على أن جودة الرفيق الذكي تعتمد بدرجة كبيرة على قدرته على تذكر سياق التفاعلات السابقة وتقديم استجابات شخصية وملائمة.

وتبرز في مقابل مميزات تلك التطبيقات مجموعة من التحديات والمخاطر، أهمها الخصوصية وأمن البيانات، واحتمال تكوّن اعتماد مفرط على تطبيقات الرفيق الذكي، إضافة إلى أن هذه التطبيقات لا يمكن أن تحل محل العلاقات الإنسانية الحقيقية أو المتخصصين في الصحة النفسية. وتؤكد الأدبيات إلى أنه ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مكملًا للتواصل الإنساني وليس بديلًا عنه، مع ضرورة اختيار التطبيقات التي تتبنى سياسات واضحة تجاه الخصوصية وحماية البيانات.

ولعل الاتجاه الأكثر وضوحًا في التشريعات الأمريكية هو التعامل بحذر شديد مع تطبيقات الرفيق الذكي. فأدوات الذكاء الاصطناعي التقليدية تعمل غالبًا كأدوات مساعدة في البحث أو الكتابة أو حل المشكلات. أما الرفيق الذكي AI Companion فيسعى إلى بناء علاقة تفاعلية مستمرة مع المستخدم، وقد يقدم نفسه باعتباره صديقًا أو مستشارًا أو شخصية يمكن التحدث إليها بصورة دائمة. ولعل هذا يخلق تحديًا تربويًا وأخلاقيًا مختلفًا. فالطفل لا يتعامل هنا مع “أداة”، وإنما مع نظام قادر على محاكاة التعاطف والاهتمام والتذكر والاستجابة الشخصية. لذلك ظهرت مبادرات في عدد من الولايات الأمريكية لفرض ضوابط إضافية على هذه التطبيقات، خصوصًا فيما يتعلق بالقاصرين، بينما اتجهت بعض الشركات إلى منع الاستخدام لمن هم دون 18 عامًا أو تقديم إصدارات أكثر تقييدًا للمراهقين.

دور شركات التكنولوجيا في تنظيم وصول الطلاب للذكاء الاصطناعي

لم تعد مسؤولية تنظيم وصول الطلاب إلى أدوات الذكاء الاصطناعي تقع على عاتق الحكومات والمؤسسات التعليمية وحدها؛ فقد بدأت شركات التكنولوجيا نفسها في تحمل جزء متزايد من هذه المسؤولية من خلال دمج آليات التحقق من العمر (Age Gating)، والرقابة الأبوية (Parental Controls)، وإعدادات السلامة المخصصة للمراهقين (Teen Safety Settings) داخل المنتجات ذاتها. ويعكس هذا الاتجاه تحولًا مهمًا في فلسفة إدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، من الاعتماد على المنع الخارجي إلى بناء طبقات حماية داخل الأداة التقنية نفسها.

ومن الأمثلة اللافتة في هذا السياق توجه OpenAI خلال 2026 إلى تطوير تجربة أكثر ملاءمة للمستخدمين المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عامًا، تتضمن ضوابط أبوية وإعدادات أمان إضافية وقيودًا على بعض الموضوعات والمحتويات عالية الخطورة. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في قطاع تكنولوجيا التعليم؛ لأن الطالب لم يعد مستخدمًا عامًا للأداة، بل أصبح فئة مستخدمين لها احتياجات عمرية وتربوية مختلفة، وهو ما يستدعي أن تتكيف خصائص الذكاء الاصطناعي ومستويات الحماية مع عمر المتعلم ودرجة نضجه وقدرته على التعامل مع المخاطر الرقمية.

وبذلك تنتقل النقاشات حول سلامة الطلاب من سؤال تقليدي يتمثل في: «كيف تمنع المدرسة الطالب من الوصول إلى الذكاء الاصطناعي؟» إلى سؤال أكثر نضجًا: «كيف نصمم الذكاء الاصطناعي بحيث يكون استخدامه آمنًا ومسؤولًا ومناسبًا لعمر الطالب؟». وهذا التحول يضع على شركات التكنولوجيا مسؤولية تصميمية وأخلاقية جديدة، ويجعل حماية المتعلم مسؤولية مشتركة بين الحكومات، والمؤسسات التعليمية، والأسرة، ومطوري التكنولوجيا. كما يفتح الباب أمام مفهوم أكثر شمولًا لـ«السلامة حسب التصميم» (Safety by Design)، بحيث تصبح حماية الأطفال والمراهقين جزءًا أصيلًا من تصميم أدوات الذكاء الاصطناعي، وليس إجراءً لاحقًا يضاف بعد إطلاق المنتج.

هل تكتفي المدارس بحظر أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته

لقد أصبح حظر أدوات الذكاء الاصطناعي في المدارس أكثر صعوبة وأقل فاعلية مع الانتشار الواسع لهذه الأدوات وإمكانية الوصول إليها عبر الهواتف والأجهزة الشخصية. فحتى إذا نجحت المدرسة في حجب تطبيق أو منصة بعينها، يستطيع الطالب غالبًا الانتقال إلى عشرات البدائل المتاحة على الإنترنت. لذلك، بدأ مفهوم حوكمة الذكاء الاصطناعي في التعليم (AI Governance in Education) يكتسب أهمية أكبر من فكرة الحظر، باعتباره إطارًا لا يركز على المنع فقط، وإنما على تنظيم الاستخدام وإدارته بصورة آمنة وتربوية.

وتتطلب الحوكمة الفعالة وضع سياسات واضحة تحدد الأدوات المسموح باستخدامها، والفئات العمرية المناسبة لكل أداة، والاستخدامات التعليمية المقبولة والمحظورة، ومستويات الإشراف المطلوبة، وقواعد حماية البيانات والخصوصية. كما ينبغي أن تتناول هذه السياسات استخدام الذكاء الاصطناعي في الواجبات والتقييمات، وتحدد مسؤوليات المعلمين والطلاب والمؤسسة التعليمية، إلى جانب وضع آليات للتعامل مع المخرجات الخاطئة أو المتحيزة أو غير المناسبة. وبهذا المعنى، فإن المدرسة المستقبلية لن تكون بيئة «خالية من الذكاء الاصطناعي»، وإنما بيئة مُدارة للذكاء الاصطناعي توازن بين الاستفادة من قدراته والحد من مخاطره.

من الحظر إلى محو أمية الذكاء الاصطناعي

المفارقة اللافتة للنظر في النقاش الأمريكي حول الذكاء الاصطناعي في التعليم أن الدعوات إلى تقييد وصول الأطفال والمراهقين إلى بعض أدواته تتزامن مع اتجاه متزايد نحو محو أمية الذكاء الاصطناعي أو ما يعرف اختصارا (AI Literacy). فالغاية النهائية ليست أن يتخرج الطالب بعيدًا عن هذه التكنولوجيا، بل أن يمتلك القدرة على فهمها واستخدامها بصورة مسؤولة، وتقييم مخرجاتها، والتمييز بين المعلومات الموثوقة والمضللة، وفهم حدودها ومخاطرها الأخلاقية.

وبناءا على ما تقدم، ينبغي أن يتعلم الطالب أن الذكاء الاصطناعي قد ينتج معلومات غير دقيقة، وأن مخرجاته ليست محايدة بالضرورة وقد تعكس تحيزات في البيانات أو النماذج، وأن صياغة السؤال وطريقة استخدام الأداة تؤثر في النتائج. والأهم أن استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى أو المعرفة لا يعفي الإنسان من مسؤولية التحقق والحكم واتخاذ القرار. لذلك، يمكن أن يكون الحظر إجراءً احترازيًا مؤقتًا في بعض المراحل أو الحالات، لكنه لا يمثل استراتيجية تعليمية مستدامة؛ فالاستراتيجية الأكثر نضجًا هي الانتقال من “منع الطالب من استخدام الذكاء الاصطناعي” إلى “تعليم الطالب كيف يستخدم الذكاء الاصطناعي بأمان ووعي ومسؤولية”.

هل يحتاج جميع الطلاب إلى المستوى نفسه من الوصول؟

من أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من التجربة الأمريكية أن مفهوم المساواة في الوصول إلى الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة منح جميع الطلاب المستوى نفسه من الوصول وفي العمر نفسه. فقد يكون من المنطقي أن يحصل طالب في المرحلة الجامعية على صلاحيات لا تمنح لطفل في المرحلة الابتدائية. وقد يحتاج الطالب الذي يستخدم AI لإجراء بحث أكاديمي إلى بيئة مختلفة عن الطالب الذي يستخدم AI Companion للمحادثة الشخصية.

لذلك يمكن التفكير في الوصول إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره نموذجًا تدريجيًا:

  • الطفولة المبكرة: الحماية وتقليل التعرض المباشر.
  • المرحلة الابتدائية: استخدام تعليمي محدود وتحت إشراف.
  • المرحلة المتوسطة: تنمية الوعي النقدي والرقمي مع استخدامات محددة.
  • المرحلة الثانوية: استخدام أوسع مع تعليم أخلاقيات الذكاء الاصطناعي والتحقق من المعلومات.
  • التعليم العالي: استقلالية أكبر، يقابلها مستوى أعلى من المسؤولية الأكاديمية والمهنية.

ما أهمية التجربة الأمريكية في تعليمنا العربي؟

الذكاء الاصطناعي في التعليم

تكمن أهمية هذه التجربة بالنسبة للمؤسسات التعليمية العربية في أنها تقدم فرصة لتجاوز ثنائية “الحظر أو الإتاحة المطلقة”. فالجامعات والمدارس العربية يمكن أن تبدأ مبكرًا في بناء سياسات واضحة لحوكمة الذكاء الاصطناعي، لا تركز فقط على منع الغش، وإنما تتناول دورة الاستخدام كاملة: الاختيار، والوصول، والاستخدام، والرقابة، والتقييم، وحماية البيانات، والمساءلة.

كما أن المؤسسات التعليمية بحاجة إلى التمييز بين أنواع تطبيقات الذكاء الاصطناعي. فالأداة التي تساعد الطالب في تلخيص نص علمي ليست بالضرورة مساوية في المخاطر لأداة مصممة لمحاكاة علاقة شخصية معه. وهنا يمكن أن يصبح تصنيف التطبيقات حسب مستوى المخاطر أساسًا أكثر عقلانية للسياسات التعليمية من مجرد حظر اسم تطبيق معين.

المصادر

Advancing Artificial Intelligence Education for American Youth. (2025, April 23). Retrieved from https://www.whitehouse.gov/presidential-actions/2025/04/advancing-artificial-intelligence-education-for-american-youth

AI and education: Protecting the rights of learners. (2025, September 25). Retrieved from https://www.unesco.org/en/articles/ai-and-education-protecting-rights-learners?hub=195885

Guidance for generative AI in education and research. (2026, January 16). Retrieved from https://www.unesco.org/ar/articles/guidance-generative-aieducation-and-research?hub=66903

Reporter, G. s. (2026). New York City to ban student AI use in public schools until high school. the Guardian. Retrieved from https://www.theguardian.com/technology/2026/sep/02/new-york-city-school-ai-ban

U.S. Department of Education Issues Guidance on Artificial Intelligence Use in Schools, Proposes Additional Supplemental Priority. (2025, July 22). Retrieved from https://www.ed.gov/about/news/press-release/us-department-of-education-issues-guidance-artificial-intelligence-use-schools-proposes-additional-supplemental-priority

عن د مصطفى جودت

أستاذ تكنولوجيا التعليم المشارك بجامعة الملك سعود ، وجامعة حلوان مدير تطوير المحتوى الرقمي بجامعة الملك سعود
error: Content is protected !!