
د. مصطفى جودت صالح
المقال الحالي هو نتيجة نقاش بخصوص التسعير العادل لدورات تدريبية مقدمة عبر إحدى منصات التدريب الجامعية وكيف يمكن الاستفادة من الجوانب النفسية في إقناع المستفيد بأنه سيحصل على صفقة عادلة، وكالعادة وحتى أعزز وجهة نظري احتجت للقراءة في هذا المقال حتى وصلت إلى موضوع المقال الحالي.
بادئ ذي بدء ليس الهدف من المقال هو تعليم القارئ كيف يخدع المستخدم ويوهمه بسعر عادل وهو ليس كذلك، لكن هناك مشكلة يواجهها من يشرف على منصة تدريبية تقدم دورات من مصادر متعددة لأن لكل ناشر سياسة في التسعير قد تختلف عن الناشر الآخر ، وقد قدمت من قبل مقالين أحدهما حول دراسات الجدوى الاقتصادية لمنصات التديب الإلكتروني والآليات المؤثرة على السعر . حيث تعد عملية تسعير الدورات التدريبية على المنصات الرقمية مزيجاً دقيقاً بين العلم النفسي والاستراتيجيات التسويقية. ففي بيئة تعليمية مزدحمة بالخيارات، لا يبحث المتعلم فقط عن المحتوى الأجود، بل عن “القيمة المدركة” التي تجعله يشعر بصواب قراره. هنا يبرز تأثير السعر المرجعي (Reference Price Effect) كأداة محورية لتوجيه سلوك المستهلك وتسهيل عملية الاختيار.
تأثير السعر المرجعي على المتعلم / المتدرب في المنصات الرقمية
مع افتتاح منصة KSUx التدريبية بالجامعة كان من أكثر الاستفسارات الواردة من المستفيدين خاصة الطلاب لماذا هذه الدورة أعلى أو أقل من نظيرتها في منصة كذا؟ ، أو ما الذي سنحصل عليه مقابل فارق السعر؟ ، وربما حول اختلاف عدد الساعات وهكذا. ورغم أن مثل هذه التساؤلات كانت غريبة بالنسبة لي في بادئ الأمر لكوني اعتقدت أن المسألة مجرد عرض وطلب فلم أفكر يوما لماذا سعر الكتاب هذا أغلى من سعر كتاب آخر في نفس الموضوع لأقتناعي أن اختلاف المحتوى والطباعة وعدد من العوامل قد تؤثر على ذلك .
لكن مع تحليل سلوك المستخدمين ودراسة السوق، ظهر أن عملية اختيار الدورات يؤثر فيها السعر بشكل كبير، ولذلك فإن عملية تسعير الدورات التدريبية على المنصات الرقمية مزيجاً دقيقاً بين العلم النفسي والاستراتيجيات التسويقية. ففي بيئة تعليمية / تدريبية مزدحمة بالخيارات، لا يبحث المتعلم فقط عن المحتوى الأجود، بل عن “القيمة المدركة” التي تجعله يشعر بصواب قراره. هنا يبرز تأثير السعر المرجعي (Reference Price Effect) كأداة محورية لتوجيه سلوك المستهلك وتسهيل عملية الاختيار.
تأثير السعر المرجعي والتأثير النفسي على المستفيدين
أثير السعر المرجعي (Reference Price Effect) هو مفهوم في علم النفس التسويقي وسلوك المستهلك، يشير إلى السعر الذي يحتفظ به العميل في ذاكرته أو يقارن به عند تقييم سعر منتج معين. وفي منصات التدريب الإلكتروني، يُعد السعر المرجعي من أقوى الأدوات النفسية، لأن “قيمة” المعلومات غير ملموسة ويصعب قياسها مقارنة بالسلع المادية. لذا، يعتمد المتعلم بشكل كبير على الإشارات التي تضعها المنصة لتحديد ما إذا كانت الدورة تستحق الاستثمار.
أنواع الأسعار المرجعية
نحن لا نحكم على الأسعار بشكل مطلق، بل نقارنها بـ “نقطة ارتكاز” تجعلنا نشعر أن السعر الحالي إما صفقة رابحة أو مبالغ فيه. هذه النقاط تؤثر في نظرتنا للسعر المرجعي ذاته ، حيث يمكن تقسيم السعر المرجعي -بشكل مبسط- إلى نوعين أساسيين:
- السعر المرجعي الداخلي: يقصج به السعر الذي يستحضره المستهلك من ذاكرته بناءً على تجاربه السابقة (كم دفع في المرة الأخيرة؟ أو ما هو متوسط السعر الذي اعتاد عليه لهذا المنتج؟).
- السعر المرجعي الخارجي: يقصد به السعر الذي يوفره البائع أو البيئة المحيطة لتوجيه قرارك، مثل عبارة “كان بـ 100، والآن بـ 70”. هنا، الـ 100 هي السعر المرجعي الخارجي.
ولكن كيف نوظف هذا التأثير في التسويق للدورات التدريبية الإلكترونية ؟
تستخدم الشركات استراتيجيات ذكية لتوظيف تأثير السعر المرجعي وجعل العرض يبدو مغرياً:
- سياسة التخفيضات (الأسعار المشطوبة): وضع السعر القديم بجانب السعر الجديد يجعل العميل يركز على “قيمة الخصم” بدلاً من التفكير في عدالة السعر الجديد نفسه.
- استراتيجية “الخيار البديل الأغلى”: قد تضع الشركة منتجاً فائق الجودة بسعر مرتفع جداً لا تهدف لبيعه فعلياً، بل لتجعل المنتج “المتوسط” يبدو رخيصاً ومنطقياً بالمقارنة معه.
- وضع المنتجات على الرف: وضع علبة مربى فاخرة سعرها 50 ريالاً بجانب علبة سعرها 20 ريالاً يجعل العلبة الثانية تبدو اقتصادية جداً، حتى لو كانت أغلى من سعر السوق المعتاد.
هذه استراتيجيات لتسويق السلع التقليدية لكن تأخذ هذه الاستراتيجيات شكلا أكثر تخصصا في منصات التدريب الإلكتروني ولعل هذا مرجعه أن السلعة هنا متصورة أو مدركة لكن غير ملموسة.
1. استراتيجية “السعر المرتفع الدائم” (The Anchor Price)
هذه هي الاستراتيجية الأشهر (مثل ما تفعله منصة Udemy):
- كيفية تطبيقها: يتم عرض الدورة بسعر أصلي مرتفع جداً (مثلاً 200 دولار) مع شطب السعر ووضع سعر العرض الحالي (مثلاً 15 دولاراً).
- التأثير: هنا يصبح الـ 200 دولار هو السعر المرجعي الخارجي. يشعر المستخدم أنه يكتسب قيمة هائلة بخصم 90%، مما يقلل من شعوره بالندم على الشراء (Buyer’s Remorse).
2. التسعير بالمقارنة (Decoy Pricing / Tiered Pricing)
بدلاً من تقديم سعر واحد للدورة، يتم تقديم 3 باقات:
- الباقة الأساسية: 50 دولاراً (تحتوي على الفيديوهات فقط).
- الباقة الاحترافية: 90 دولاراً (فيديوهات + شهادة + ملفات قابلة للتحميل + لقاء مباشر).
- الباقة المميزة: 500 دولار (كل ما سبق + استشارة خاصة).
- التأثير: وجود باقة الـ 500 دولار يجعل باقة الـ 90 دولاراً تبدو “لقطة” ومنطقية جداً، بينما لو كانت هي الخيار الوحيد لربما رآها البعض غالية.
3. ربط السعر بـ “العائد على الاستثمار” (ROI) وليس التكلفة
- كيفية تطبيقها: بدلاً من القول إن الدورة مدتها 10 ساعات، يتم الإعلان عنها بأنها “بديل لشهادة احترافية تكلف 2000 دولار” أو “توفر عليك استشارات بقيمة 1000 دولار”.
- التأثير: أنت هنا تغير السعر المرجعي الداخلي في عقل العميل من “سعر دورة أونلاين” إلى “سعر شهادة دولية”، مما يجعل دفع 150 أو 200 دولار أمراً يسيراً.
4. استخدام “الخصم لمرة واحدة” (One-Time Offer – OTO)
- كيفية تطبيقها: بعد اشتراك المتعلم في دورة مجانية أو رخيصة، يُعرض عليه فوراً خصم ضخم على “المسار الكامل” متاح لمدة 15 دقيقة فقط.
- التأثير: الخوف من فقدان السعر المرجعي المخفض (Scarcity) يحفز العميل على اتخاذ قرار سريع بناءً على المقارنة بين السعر المعروض والسعر الذي سيعود إليه لاحقاً.
5. مقارنة الدورة بـ “التدريب الحضوري”
- كيفية تطبيقها: وضع عبارة مثل: “نفس هذا المحتوى يُقدم في ورش عمل حضورية بتكلفة 3000 ريال، احصل عليه الآن بـ 500 ريال فقط مع وصول مدى الحياة”.
- التأثير: هنا المنصة تفرض سعراً مرجعياً خارجياً مرتفعاً (التدريب الحضوري) لرفع القيمة المدركة للتدريب الإلكتروني.
فخ الـ OverChoice وعلاقة السعر المرجعي بها
يعاني مستخدمو المنصات الكبرى مما يعرف بـ متلازمة فرط الخيارات (OverChoice)؛ وهي حالة من الشلل الإدراكي تصيب المتعلم عندما يواجه مئات الدورات في نفس التخصص. هذا التشتت يؤدي غالباً إلى الانسحاب دون شراء خوفاً من اتخاذ قرار خاطئ.
كيف يخفف السعر المرجعي من حدة هذه المتلازمة؟
يعمل السعر المرجعي كـ “مصفاة إدراكية” (Cognitive Filter). من خلال وضع استراتيجيات تسعير تعتمد على مراجع واضحة، تساعد المنصة المتعلم على تصنيف الخيارات بسرعة:
- تقليل الجهد الذهني: بدلاً من مقارنة محتوى 10 دورات، يقارن المتعلم “القيمة المكتسبة” بناءً على الخصم المرجعي أو مقارنة السعر بالبدائل الواقعية.
- توجيه الاختيار: السعر المرجعي يبرز دورة معينة كـ “أفضل قيمة مقابل سعر”، مما يقلص دائرة البحث من عشرات الخيارات إلى خيارين أو ثلاثة فقط.
المراجع :
المقال الحالي هو محصلة قراءات ولم أعتمد على كتابته بالمنهجية الأكاديمية المتبعة في باقي مقالات الموقع تقريبا، ولعل هذا لسببين أولهما أني غير متخصص في التسويق وأن قراءتي في هذا المجال جاءت أساسا لحاجة مرتبطة بطبيعة مهام عملية ، والجانب الثاني أن المستهدف من المقال أن يكون دليلا للعاملين بالمجال وليس مرجعا أكاديميا. ولكن بشكل عام هناك عدد من المراجع التي يمكن الأستفادة منها للمهتمين بهذا الجانب :
Mazumdar, T., Raj, S. P., & Sinha, I. (2005). Reference Price Research: Review and Propositions. Journal of Marketing, 69(4), 84–102. doi: 10.1509/jmkg.2005.69.4.84
Scheibehenne, B., Greifeneder, R., & Todd, P. M. (2010). Can there be too many options? A meta-analytic review of choice overload. Journal of Consumer Research, 37(3), 409–425. https://doi.org/10.1086/651235
Shi, Y., Haller, A., Reeson, A., & Shao, X. (2025). Decoding the dynamics of knowledge pricing: An empirical investigation of MOOC platform edX’s pricing structure and signaling effects. The Australian National University. https://researchportalplus.anu.edu.au/en/publications/decoding-the-dynamics-of-knowledge-pricing-an-empirical-investiga
بوابة تكنولوجيا التعليم أول بوابة عربية تهتم بتكنولوجيا التعليم والتعليم الإلكتروني منذ عام 2003

