
نشرت صحيفة اليوم السابع يوم السبت 27 ديسمبر 2025 مقالا بعنوان : مصر 2025.. طفرة تعليمية وبحثية تعزز التنافسية الدولية والابتكار الوطنى ، وقد ذكرني هذا بما كنت أقوم به منذ سنوات من نشر قراءة لتقرير التنافسية العالمي ومؤشرات التعليم في الدول العربية، حيث قررت العودة إلى تحليل تقرير التنافسية العالمي بعد توقف نحو تسع سنوات ، فآخر تقرير طرحته في الموقع كان تقرير 2016، لكن مع تغيير بعض معايير التنافسية العالمية ودخول الذكاء الاصطناعي والرقمنة كلاعب رئيسي في الميدان فقد آليت على نفسي تحليل تقرير عام 2025 لعله يعطي الضوء على بعض الجوانب التي نحتاج للتركيز عليها.
من نافلة القول أنه في تقرير التنافسية العالمي 2025 (IMD World Competitiveness Yearbook 2025) يُمكن استخلاص أطر وأبعاد تتعلق بالتعليم كمكوّن من مكوّنات التنافسية الوطنية، رغم أنّ التقرير لا يُصدر “مؤشراً تعليمياً مستقلاً” كامل بحد ذاته كما تفعل تقارير منظمة اليونسكو مثلاً — ولكنه يضم التعليم ضمن عوامل تنافسية أوسع تقيس مستوى التنمية الشاملة للدول.
كنظرة أولى، يُظهر تقرير التنافسية العالمي لعام 2025 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية (IMD) تحولاً جوهرياً في معايير التنافسية؛ حيث لم تعد الاستدامة الاقتصادية وحدها كافية، بل أصبحت “الجاهزية الرقمية” و”رأس المال البشري” المحركات الأساسية للنمو.
وبغض النظر عن الاحصاءات، فإن الجديد في التقرير أن مفهوم التنافسية في 2025 أصبح أقرب إلى مفهوم الجاهزية للمستقبل، حيث لا تُقيَّم الدول فقط على ما تحققه حاليًا، بل على قدرتها على التكيف وبناء قدرات بشرية ومهارية تدعم الابتكار والإنتاجية على المدى المتوسط والطويل. ورغم أن التعليم لا يظهر كمؤشر مستقل، فإن رأس المال البشري، المهارات، وجودة القوى العاملة أصبحت أكثر حضورًا ضمن المؤشرات الفرعية، ما يعكس تحولًا ضمنيًا في فهم العلاقة بين التعليم والتنافسية.
بإيجاز، فإن تقرير 2025 لا يغيّر هيكله الأساسي، لكنه يغيّر زاوية النظر: من “من هو الأفضل اقتصاديًا الآن؟” إلى “من هو الأقدر مؤسسيًا وبشريًا على الاستمرار والمنافسة في عالم غير مستقر؟”، وهو تحول يحمل دلالات مباشرة على سياسات التعليم وتنمية المهارات في الدول العربية.

التعليم في تقرير التنافسية 2025
التقرير يقيس تنافسية الدول عبر أربع عوامل رئيسية (Pillars):
- الأداء الاقتصادي
- كفاءة الحكومة
- كفاءة الأعمال
- البنية التحتية
كل عامل من العوامل السابقة يتفرّع إلى عدة عناصر فرعية (Sub-factors) تشمل مؤشرات متعددة. ضمن هذه التفرّعات يتم تضمين التعليم وموارد رأس المال البشري كمكوّن أساسي في تقييم القدرة التنافسية للدول. فلو راجعنا النسخة في الرابط السابق سنلاحظ أن عامل “كفاءة الأعمال / Business Efficiency” يشير على سبيل المثال إلى مؤشرات تتعلق بقدرة القوى العاملة، التدريب، والمهارات، والتي ترتبط بشكل مباشر بمخرجات التعليم ومطابقة سوق العمل. وفي التقارير التفصيلية لبعض الدول قد يوجد التعليم مرتبطا بأكثر من عامل مثلا؛ يظهر ترتيب التعليم “Education” كواحد من العناصر الفرعية ضمن تقييم التنافسية في بعض الدول (مثل الدنمارك حيث كان التعليم من بين العوامل البارزة ضمن كفاءة الأعمال و كفاءة البنية التحتية).
يلاحظ أن التعليم في التقرير يرتبط بعدد من المؤشرات الفرعية التي تحكم على جودته مثل :
- مستوى القوى العاملة الماهرة (Skilled workforce) كعامل يجذب الاستثمار ويحفّز النمو.
- المؤهلات التعليمية لدى السكان تُعد من مؤشرات “قيمة الجذب” للمنافسة الاقتصادية.
- التدريب والتعليم المهني / Technical & Vocational Education and Training (TVET) مؤشر ضمن العوامل الفرعية في كفاءة الأعمال.
- الاستثمار العام في التعليم يظهر ضمن بعض التقييمات الفرعية وقد يؤثر على ترتيب البلد في عناصر متعددة.
- في بعض تحليلات الدول، يظهر التعليم كمكوّن ضمن كفاءة البنية البشرية التي تدعم النمو الاقتصادي والجاذبية الاستثمارية.
ترتيب الدول العربية في تقرير التنافسية العالمي
حققت دول الخليج العربي مراكز متقدمة عالمياً، مما يعكس استثماراتها الضخمة في تطوير البنية التحتية والتعليم كما دخل في الترتيب دولة عربية واحدة غير خليجية هي المملكة الأردنية:
- الإمارات الأعلى من حيث الترتيب في التنافسية العالمية لعام 2025، حيث احتلت المرتبة الخامسة عالميًا ضمن 69 دولة، وتميزت في مؤشارت الحوكمة، بيئة الأعمال، والبنية التحتية التي تدعم التعليم والمهارات.
- دولة قطر جاءت في المرتبة التاسعة عالميًا، مما يجعلها ثاني أعلى دولة عربية في الترتيب العام للتنافسية، وتميزت ببناء بيئة اقتصادية معرفية قائمة على المهارات والقدرات الرقمية.
- المملكة العربية السعودية حققت المرتبة السابعة عشرة عالميًا، وهي أعلى من معظم الدول العربية غير الخليجية، مع تحسن في بنية التنافسية العامة وبدعم من إصلاحات واسعة تستهدف تطوير الموارد البشرية.
- مملكة البحرين تقدمت أيضًا إلى المركز 22 عالميًا، مما يضعها ضمن دول التنافسية العربية المتقدمة أمام العديد من الاقتصادات الناشئة.
- سلطنة عمان أحتلت المركز 28 عالميا.
- المملكة الأردنية أحتلت المركز 47 عالميا.
بالنسبة لمصر وغيرها من الدول العربية، غير المدرجة رسميًا ضمن 69 دولة في مؤشر IMD 2025 الأساسي، لذلك لا يظهر ترتيبها المباشر في مؤشر التنافسية العالمي لعام 2025. ويلاحظ أن عدم إدراج مصر وباقي الدول العربية في التقرير لا يعود بالضرورة إلى ضعف الأداء الاقتصادي، بل يرتبط بمجموعة من المعايير المنهجية واللوجستية التي يتبعها المعهد والتي لم تتقدم جمهورية مصر العربية وفقها. وعلى الرغم من غياب مصر عن الترتيب العام للتنافسية (WCR) لعام 2025، تظهر مصر في أخرى بديلة مثل :
- مؤشر المدن الذكية (Smart City Index): تظهر مدينة القاهرة في ملفات المعهد التعريفية لعام 2025، مع بيانات حول الصحة والسلامة والفرص.
- مؤشر التنافسية الرقمية: ظهرت مصر في سنوات سابقة بمرتبة متقدمة في مؤشرات رقمية فرعية.
- تقارير بديلة: تلجأ المؤسسات الوطنية مثل “المجلس الوطني المصري للتنافسية” إلى استخدام “بنية IMD” كخريطة تشخيصية لتحليل أداء مصر داخلياً دون الحاجة لترتيب رسمي عالمي.
- مؤشر الابتكار العالمي (GII 2025): تصنف مصر في المرتبة 94 في مدخلات الابتكار و81 في المخرجات، مع أداء متفوق في مخرجات التكنولوجيا والمعرفة.
- مؤشر الجاهزية للذكاء الاصطناعي: سجلت مصر 0.39 نقطة في مؤشر الاستعداد للذكاء الاصطناعي الصادر عن صندوق النقد الدولي لعام 2025.
- تقارير التصنيف الائتماني: رفعت وكالتا S&P و فيتش تصنيف مصر إلى (B) بنظرة مستقرة في أكتوبر 2025، وهو مؤشر تنافسي قوي لثقة المستثمرين الأجانب.
- مؤشر الشمول المالي: أدرجت منظمة (FATF) تجربة مصر كأفضل الممارسات الدولية في تعزيز الشمول المالي الرقمي لعام 2025.
ووفقاً لمركز التحول الاقتصادي الأفريقي (ACET)، تُصنف مصر كدولة ذات “قدرة تحويلية اقتصادية عالية”، محتلة المركز السادس أفريقياً من أصل 30 دولة.
للمزيد حول مؤشرات التنافسية المعتمدة في مصر يمكن مراجعة تقارير كل من :
- المجلس الوطني المصري للتنافسية (ENCC): تقرير مؤشرات التنافسية 2025.
- المنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO): تقرير مؤشر الابتكار العالمي لعام 2025.
التعليم في المملكة العربية السعودية وفقا لتقرير 2025
احتلت المملكة المرتبة 17 عالميًا في تقرير التنافسية العالمي لعام 2025، من أصل 69 دولة شملها التقييم. حيث تقدم ترتيب المملكة عن الأعوام السابقة مما يُظهر تحسّنًا مستمرًا على مدى السنوات الماضية، متأثرًا بتحسينات في البنية التحتية وكفاءة الأعمال.
الاستثمار في رأس المال البشري بالمملكة
- التقرير يشير إلى الحاجة إلى المزيد من الاستثمار في تطوير الموارد البشرة، بما يشمل التعليم وتدريب القوى العاملة، كأحد التحديات التي تواجه المملكة لتحسين تنافسيتها.
- من تقارير سابقة مرتبطة بسلسلة تقارير IMD (مثل تقرير 2022) يتضح أن السعودية كانت قد حققت تقدماً في مؤشرات التعليم والبحث العلمي—مثل تحسن ترتيبها في مؤشر التعليم والبحث العلمي من 41 إلى 37 على مستوى العالم، وتعزيز البنية العلمية والتكنولوجية.
التحسن في مؤشرات التعليم في المملكة عن السنوات السابقة
يعود هذا التحسن إلى عدد من العوامل الاقتصادية والتنظيمية منها :
- زيادة الاستثمار في التعليم العالي والبحث العلمي.
- تعزيز العلاقة بين التعليم وسوق العمل (مهارات القوى العاملة).
- دعم الابتكار والقدرات التقنية داخل الجامعات ومراكز البحث.
نستخلص مما تقدم أن التعليم في السعودية يُنظر إليه باعتباره أحد الركائز الاستراتيجية لتحسين التنافسية الاقتصادية والاجتماعية، لكنه لا يزال أمامه تحديات في الارتباط المباشر بسوق العمل والابتكار.
بوابة تكنولوجيا التعليم أول بوابة عربية تهتم بتكنولوجيا التعليم والتعليم الإلكتروني منذ عام 2003
