د. مصطفى جودت صالح

يُعد التعليم الجامعي حجر الزاوية في بناء المجتمعات واقتصاداتها، وقد شهد تحولات جذرية عبر العصور، لا سيما مع بزوغ العصر الرقمي الذي أحدث نقلة نوعية في أساليب التعلم والتعليم. في هذا السياق، يأتي كتاب “التعليم الجامعي: التطورات العالمية للأنماط الذكية” للأستاذ الدكتور فارس البياتي ليقدم رؤية شاملة وعميقة لهذه التحولات، مسلطًا الضوء على أهمية تبني الجامعات للأنماط التعليمية الذكية لمواكبة متطلبات العصر وسوق العمل المتغير.
الهدف من العمل:
ذكرالمؤلف ضمن مقدمة الكتاب أن التعليم الجامعي هو الركيزة الأساسية في تشكيل المجتمعات وتطوير اقتصاداتها ، وقد شهد تحولات جوهرية من النماذج التقليدية إلى العصر الرقمي. كما يوضح أن التطورات التكنولوجية السريعة أدت إلى ظهور مفهوم “الأنماط الذكية في التعليم”، وهو نهج تعليمي يعتمد على الذكاء الاصطناعي، البيانات الضخمة، التعلم التكيفي، وتقنيات الواقع الافتراضي والمعزز لتقديم تجربة تعليمية متطورة وشخصية. ويؤكد أن التعليم الجامعي لم يعد مجرد عملية نقل معلومات، بل أصبح بيئة تفاعلية تستفيد من التقنيات الحديثة لتعزيز الفهم والتفاعل وتحفيز الابتكار لدى الطلاب.
يستعرض الكتاب بشكل أساسي التطورات العالمية في مجال التعليم الجامعي الذكي، وتقديم نماذج تطبيقية لأنماطه المختلفة، مع التركيز على أهمية دمج هذه التقنيات في الجامعات، وتحديد التحديات التي تواجه هذا الدمج وسبل تجاوزها. تكمن أهمية هذا العمل في توقيته؛ ففي ظل التغيرات التكنولوجية المتسارعة والظروف الطارئة التي قد تفرض أنماطًا تعليمية جديدة، يصبح فهم هذه التطورات وكيفية الاستفادة منها أمرًا حيويًا لضمان جودة التعليم واستمراريته. يقدم الكتاب خارطة طريق للمؤسسات التعليمية الراغبة في التحول نحو النموذج الذكي، ويزود القارئ، سواء كان أكاديميًا، باحثًا، صانع قرار، أو حتى طالبًا، بوعي معمق حول مستقبل التعليم العالي. كما يبرز الكتاب أن التعليم الذكي ليس مجرد خيار، بل ضرورة حتمية للجامعات التي تسعى للحفاظ على تنافسيتها وإعداد خريجين يمتلكون المهارات المتقدمة اللازمة لسوق العمل الرقمي.
محتويات الكتاب الرئيسية:
يتألف الكتاب من خمسة فصول رئيسية وملحق، يتناول كل منها جانبًا محددًا من جوانب التعليم الجامعي الذكي:
الفصل الأول: مقدمة حول الثورة التعليمية يستهل الفصل بتقديم مفهوم الثورة التعليمية، مع التركيز على الفروق الجوهرية بين التعليم التقليدي والتعليم الذكي. يُعرف التعليم التقليدي بأنه يعتمد على التلقين المباشر، حيث يكون الأستاذ المصدر الرئيسي للمعلومات. في المقابل، يعتمد التعليم الذكي على التكنولوجيا الرقمية، ويستخدم أدوات التعلم التكيفي والواقع الافتراضي والمحتوى التفاعلي. يستعرض الفصل التحولات الرئيسية في دور الأستاذ من ملقن إلى موجه وميسر ، وتحول المحتوى من نصي إلى تفاعلي ، والتقييم من امتحانات نهائية إلى تقييم مستمر ، بالإضافة إلى مرونة التعلم في أي وقت ومكان. يختتم الفصل بالتأكيد على أن التعليم الذكي ضرورة لتعزيز جودة التعليم وزيادة فرص الوصول إليه وربطه بسوق العمل.
الفصل الثاني: الأنماط التعليمية الذكية المعاصرة يتعمق هذا الفصل في تفصيل الأنماط التعليمية الذكية المعاصرة، وهي:
- التعلم التكيفي (Adaptive Learning): يوضح مفهومه كنموذج يعتمد على تحليل البيانات وسلوك الطلاب لتقديم تجربة تعليمية مخصصة. من مميزاته التعليم المخصص وتحليل الأداء الفوري وتقليل الفجوات التعليمية.
- التعلم القائم على الذكاء الاصطناعي (AI-Powered Learning): يسلط الضوء على استخدام الروبوتات والمساعدين الافتراضيين لمساعدة الطلاب وتحسين التفاعل وتقديم تجارب تعليمية مخصصة. كما يناقش تحليل البيانات لتوجيه الطلاب والتنبؤ بأدائهم وتصميم خطط دراسية مخصصة.
- التعلم القائم على البيانات الضخمة (Big Data Learning): يشرح كيف تؤثر البيانات الضخمة في التعلم من خلال جمع وتحليل كميات هائلة من المعلومات حول أنشطة الطلاب وأدائهم الأكاديمي، بما في ذلك نتائج الاختبارات والمشاركة وسلوك التعلم عبر الإنترنت. ويسلط الضوء على فوائده في تحسين جودة التعليم وتوقع المشكلات.
- التعلم المعزز بالواقع الافتراضي والواقع المعزز (VR & AR Learning): يوضح دمج هذه التقنيات في المختبرات والفصول الدراسية لتقديم تجارب محاكاة وتفاعلية، مثل العمليات الجراحية الافتراضية والتصاميم الهندسية ثلاثية الأبعاد.
- التعلم القائم على المشاريع والابتكار (Project-Based & Innovation Learning): يركز على تحويل التعليم إلى تجارب تطبيقية تعزز التفكير النقدي والابتكار من خلال مشاريع عملية تهدف إلى حل مشكلات حقيقية.
- التعلم التنبئي (Predictive Learning): يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات الطلاب والتنبؤ بمستويات أدائهم المستقبلية، مما يساعد في تحديد نقاط الضعف وتقديم خطط تعليمية مخصصة.
- التعلم المدمج (Blended Learning): يجمع بين التعليم التقليدي والتعليم عبر الإنترنت لتوفير مرونة أكبر للطلاب.
الفصل الثالث: تطبيقات الأنماط التعليمية الذكية في الجامعات يتناول هذا الفصل كيفية دمج الأنماط التعليمية الذكية في الجامعات العربية، مع التركيز على تطوير البنية التحتية الرقمية ، وتدريب أعضاء هيئة التدريس والطلاب ، وتطوير المناهج لتناسب التعلم الذكي. كما يطرح تحديات التطبيق وكيفية تجاوزها، مثل التكلفة العالية، ومقاومة التغيير، وضعف البنية التحتية، وقضايا الأمن السيبراني. ويقدم حلولاً تتمثل في الشراكات مع القطاع الخاص، وتعزيز ثقافة الابتكار، وتطوير سياسات داعمة.
الفصل الرابع: استراتيجيات تطوير التعليم الجامعي في بلداننا يقترح هذا الفصل مشاريع تطويرية لتطبيق التعليم الذكي، مثل إنشاء مراكز تعليم ذكي ومنصات تعلم إلكترونية وطنية. ويستعرض نماذج عالمية ناجحة يمكن الاستفادة منها، مثل جامعة ولاية أريزونا، وجامعة هارفارد، وجامعة سنغافورة الوطنية، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة تورنتو، مع تفصيل ممارساتها المتميزة وكيفية تطبيقها في الجامعات العربية. كما يحدد خطوات عملية لإنشاء جامعات ذكية، تبدأ بوضع رؤية واستراتيجية واضحة، وتطوير البنية التحتية، ودمج التقنيات الذكية في العملية التعليمية، وتطوير المناهج، وتدريب أعضاء هيئة التدريس والطلاب.
الفصل الخامس: المستقبل والتوجهات الحديثة في التعليم الجامعي يتنبأ هذا الفصل بمستقبل التعليم الجامعي خلال العقد القادم، مشيرًا إلى التحول نحو التعليم المخصص والشخصي، والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي، والتعليم القائم على التجربة والتطبيق. كما يتوقع توسع التعلم عبر الإنترنت والتعلم المدمج ، وظهور الشهادات الرقمية والتعليم القائم على المهارات، ودور أكبر للشراكات بين الجامعات والشركات. ويناقش الفصل تأثير الذكاء الاصطناعي على أدوار الأساتذة والطلاب، حيث يتحول دور الأستاذ من ناقل للمعرفة إلى ميسر وموجه ، بينما يصبح الطالب متعلمًا نشطًا ومستقلاً.
الملحق: يحتوي الملحق على مشروع لتطوير التعليم بنمط التعليم الرقمي للمراحل الدراسية الجامعية، ويشرح مفهوم التعليم التكنولوجي بأنواعه المختلفة (قواعد بيانات المعرفة، الدعم على الشبكة، التدريب المتزامن وغير المتزامن). كما يقترح نموذجًا للتعليم المدمج الذكي (SBLS) كحل لمواجهة الظروف الطارئة وضمان جودة التعليم. يعرض الملحق كذلك نسب الحضور المقترحة للبرامج في هذا النموذج، ويناقش تطوير أساليب الاختبارات لتتواءم مع معايير الجودة، مع استعراض لأنواع الاختبارات المختلفة (المقالية، الشفهية، الموضوعية، الاختيار من متعدد، المطابقة). ويختتم الملحق بتوصيات ومقترحات لتعزيز التعليم الذكي في الدول العربية.
الجوانب الإيجابية:
يتميز الكتاب بعدة جوانب إيجابية تجعله مرجعًا قيمًا في مجال تكنولوجيا التعليم:
- الوضوح والتنظيم: يتميز الكتاب بتنظيم فصوله وأفكاره بشكل منطقي ومتسلسل، مما يسهل على القارئ استيعاب المعلومات المعقدة. استخدام الجداول والنقاط المرقمة يعزز من وضوح العرض.
- التأصيل العلمي: يعتمد المؤلف على مصادر ومراجع حديثة ومتنوعة، مما يضفي على العمل مصداقية أكاديمية. الأمثلة الواقعية ودراسات الحالة من جامعات عالمية تعزز من قوة الطرح.
- التطبيق العملي: لا يكتفي الكتاب بالسرد النظري، بل يقدم مقترحات عملية وخطوات قابلة للتطبيق لدمج الأنماط الذكية في الجامعات، خاصة في السياق العربي.
- المواكبة العصرية: يعالج الكتاب موضوعًا حيويًا ومواكبًا لأحدث التطورات في مجال التعليم والتكنولوجيا، مثل الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والبيانات الضخمة.
- الرؤية المستقبلية: يقدم الكتاب رؤية استشرافية لمستقبل التعليم الجامعي، وهو ما يساعد القراء على الاستعداد للتغيرات المتوقعة وتشكيل استراتيجياتهم بناءً على هذه التوقعات.
النقاط التي تحتاج إلى تحسين:
على الرغم من الجوانب الإيجابية العديدة، هناك بعض النقاط التي يمكن تحسينها لزيادة قيمة العمل، فأول إنطباع سيلاحظه القارئ أن الكتاب كما لو كان تجميعا لمذكرات أو كتابات سابقة للمؤلف من جهة ، وقلة الرسومات التوضيحية وضعف التنسيق للعمل مما يعطي إنطابعا أنه أعد على عجل أو أعد لطلاب الجامعات لا كمرجع جامعي يوضع على أرفف المكتبات كما يلاحظ من خلال قراءة العمل أنه يحتاج التحسين في عدد من الجوانب منها:
- التركيز على السياق العربي: على الرغم من أن الكتاب يتناول تطبيقات الأنماط الذكية في الجامعات العربية، إلا أن الأمثلة ودراسات الحالة المذكورة في معظم الفصول تركز بشكل كبير على الجامعات الغربية (مثل هارفارد، ستانفورد، MIT، وجامعة ولاية أريزونا). يمكن تعزيز هذا الجانب بإضافة المزيد من الأمثلة الناجحة من الجامعات العربية التي تبنت أنماط التعلم الذكي، مع ذكر التحديات الخاصة التي واجهتها وكيف تم التغلب عليها في سياق المنطقة. هذا سيزيد من الصلة المباشرة للقارئ العربي بالعمل.
- العمق في التحليل النقدي للتحديات: بينما يحدد الكتاب التحديات التي تواجه تطبيق التعليم الذكي (مثل التكلفة، ومقاومة التغيير، وأمان البيانات) ، يمكن تقديم تحليل أكثر عمقًا لأسباب هذه التحديات وكيف يمكن للجامعات أن تضع استراتيجيات مبتكرة للتغلب عليها، بدلاً من الاكتفاء بالحلول العامة. على سبيل المثال، قد يكون هناك نقص في الموارد البشرية المتخصصة في تكنولوجيا التعليم في بعض الجامعات العربية، وهذا تحدٍ يستحق نقاشًا أعمق.
- التوازن في عرض أنماط التعليم الذكية: على الرغم من أن الكتاب يعرض مجموعة واسعة من الأنماط، إلا أن بعضها قد يحظى بتفصيل أكبر من الآخر. على سبيل المثال، التعلم القائم على المشاريع والابتكار، رغم أهميته، يمكن أن يستفيد من أمثلة أكثر تفصيلًا حول كيفية تقييم هذا النوع من التعلم في سياق التعليم الجامعي، خاصة في التخصصات غير الهندسية أو الطبية.
- تحليل البيانات في الملحق: يعرض الملحق نموذجًا مقترحًا لنسب الحضور في التعليم المدمج الذكي (SBLS). سيكون من المفيد جدًا تقديم تحليل إحصائي أو بيانات لدعم هذه النسب المقترحة، أو على الأقل الإشارة إلى الدراسات التي استند إليها الباحث في تحديد هذه النسب، لتعزيز الجانب التجريبي للنموذج.
- الكلمات المفتاحية: بينما يذكر الملحق الكلمات المفتاحية “التعليم الرقمي، الظروف الوبائية والطارئة، جودة التعليم” ، يمكن أن يتم تضمين هذه الكلمات في فهرس أو قائمة بالكلمات المفتاحية في بداية الكتاب لزيادة قابليته للبحث والفهرسة الأكاديمية.
كلمة أخيرة :
في الختام، يُعد كتاب “التعليم الجامعي: التطورات العالمية للأنماط الذكية” للأستاذ الدكتور فارس البياتي إضافة قيّمة للمكتبة العربية في مجال تكنولوجيا التعليم، خاصة بالمكتبات الجامعية والأعمال الموجهة لطلاب الجامعات. يقدم العمل رؤية واضحة ومفصلة لمستقبل التعليم العالي، مع التركيز على دور التقنيات الذكية في إعادة تشكيل المشهد الأكاديمي. ومع الأخذ في الاعتبار النقاط المذكورة لتحسينه، يمكن لهذا العمل أن يصبح مرجعًا أساسيًا لكل من يسعى لفهم وتطبيق التعليم الذكي في سياقات مختلفة.
بوابة تكنولوجيا التعليم أول بوابة عربية تهتم بتكنولوجيا التعليم والتعليم الإلكتروني منذ عام 2003
