شرح وتعليق : د. مصطفى جودت صالح
شهد عام 2024 إطلاق واحدة من أهم الدراسات المسحية في مجال التصميم التعليمي، والتي أجرتها شركة Synthesia بهدف استكشاف الاتجاهات الراهنة لتبني أدوات الذكاء الاصطناعي بين مصممي التعلم حول العالم. اعتمدت الدراسة على جمع بيانات كمية من شريحة واسعة من المتخصصين في تطوير المحتوى الرقمي، والتدريب الإلكتروني، وتصميم الخبرات التعليمية، بهدف تحليل كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل التصميم، وتحديد الأدوات الأكثر انتشارًا، ودراسة وتيرة الاستخدام، إضافة إلى رصد الانعكاسات المهنية والعملية لهذه التقنيات على جودة وكفاءة العمل. وتكتسب هذه الدراسة أهميتها من كونها تُعد مرجعًا حديثًا يساعد المؤسسات التعليمية وفرق التطوير على فهم التحولات المتسارعة في الممارسة المهنية، ويضع بين أيديهم بيانات موثوقة لدعم اتخاذ القرار في ظل التوسع العالمي في استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم.
العرض التالي مجرد تعليق ورؤية نقدية حول الدراسة والانفوجرافيك لكنه لا يغني عن الرجوع إلى التقرير الاصلي والاستشهاد ببياناته كمصدر أولي .

شهد مجال التصميم التعليمي تحولات واسعة بفعل التقدم المضطرد في أدوات الذكاء الاصطناعي، والتي أصبحت جزءًا أساسيًا من سير العمل اليومي للمختصين. يعرض الإنفوجرافيك السابق نتائج مسح حديث أجرته منصة Synthesia حول واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في التصميم التعليمي، ويقدم صورة واضحة لكيفية تبني الخبراء لهذه الأدوات، وأنماط الاستخدام، وأبرز التأثيرات الناتجة عنها. وتبرز هذه البيانات أهمية الذكاء الاصطناعي كعامل محوري في تطوير المحتوى الرقمي وزيادة كفاءة العمليات التعليمية.

يعرض الرسم البياني أكثر أدوات التأليف التقليدية استخدامًا بين مصممي التعليم، ويكشف بوضوح عن هيمنة الأدوات التي تجمع بين سهولة الاستخدام وإمكانيات إنتاج محتوى تفاعلي بجودة عالية. يتصدّر Articulate Rise القائمة، يليه Articulate 360 وStoryline، وهو ما يؤكد استمرار سيطرة منظومة Articulate على سوق التصميم التعليمي، نظرًا لما توفره من مرونة، ودعم للعناصر التفاعلية، وقدرتها العالية على التوافق مع منصات التعلم المختلفة (LMS).
يأتي iSpring في المرتبة الرابعة بنسب استخدام متوسطة، وهو خيار شائع للمؤسسات التي تبحث عن حلول سريعة وقائمة على تحويل العروض التقديمية إلى محتوى تدريبي. أما Synthesia فظهرت في القائمة كأداة ناشئة مهمّة، ما يعكس انتشار استخدام الفيديوهات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي في تطوير المحتوى، وخصوصًا الإنتاج السريع للمحاضرات والشروحات المصوّرة.
لكن على جانب آخر تعرضت الدراسة بالتحليل لأدوات الذكاء الاصطناعي واستخداماتها في تطوير المحتوى التعليمي
أولاً: أدوات الذكاء الاصطناعي الأكثر استخدامًا في التصميم التعليمي

تشير النتائج إلى أن ChatGPT يتصدر قائمة الأدوات التي جربها مصممو المحتوى بنسبة 84%، وهو ما يعكس اعتماده الواسع في توليد الأفكار، وصياغة المحتوى، وتبسيط النصوص. تليه أداة Synthesia بنسبة 59%، والتي تعتمد على تقنيات الفيديو المعزز بالذكاء الاصطناعي لإنتاج مواد تدريبية احترافية دون الحاجة إلى استوديو تصوير. أما أدوات Microsoft Copilot، و Claude، و Perplexity فجاءت بنسب أقل (41%، 26%، 25% على التوالي)، لكنها تُظهر تنوعًا في منظومة الأدوات التي يعتمد عليها المصممون حسب نوع المهام ومستوى التخصص.
ثانيًا: وتيرة استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي
توضح بيانات الإنفوجرافيك أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من الممارسات اليومية؛ إذ يستخدمه نحو 49% من المصممين يوميًا، بينما يستخدمه 30% أسبوعيًا. وتعد هذه النسب مؤشرًا على تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي ليس فقط كأداة مساعدة، بل كعنصر رئيسي في سير العمل. أما نسبة المستخدمين الذين لا يعتمدون على الذكاء الاصطناعي مطلقًا فهي منخفضة جدًا (5.56%)، ما يعكس التوجه العام نحو تبني تقنيات الأتمتة والتحسين الذكي في مجال تصميم التعلم.
ثالثًا: التأثيرات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في التصميم التعليمي
يكشف الملخص الوارد في الإنفوجرافيك عن مجموعة واسعة من التأثيرات الإيجابية التي يلمسها المصممون، أبرزها:
- زيادة الكفاءة والسرعة في إنجاز المهام، مما يمنح المصممين وقتًا أكبر للإبداع بدلًا من الانشغال بالمهام الروتينية.
- تحسين الإبداع وتوليد الأفكار، خاصة في المراحل المبكرة من تطوير المحتوى.
- تقليل الاعتماد على الخبراء المتخصصين (SMEs) في بعض عمليات إنتاج المعرفة الأولية، بفضل قدرة الذكاء الاصطناعي على توضيح المفاهيم أو صياغتها.
- تبسيط كتابة النصوص وتحريرها ودعم اتساق اللغة والأسلوب.
- تعزيز التخصيص عبر إنتاج مخرجات تعليمية تتناسب مع احتياجات المتعلمين.
- توفير الوقت في إنتاج الفيديوهات والتسجيلات الصوتية بفضل تقنيات التوليد الآلي.
- تحسين جودة المحتوى من خلال دعم المراجعة والتأكد من الاتساق.
- تجاوز العوائق الإبداعية التي قد تواجه المصمم أثناء كتابة السيناريو أو تطوير الأنشطة.
- دعم بناء هيكل المقرر عبر اقتراح مخططات تنظيمية مناسبة.
تُظهر هذه النتائج أن الذكاء الاصطناعي لا يحل محل المصمم، بل يعمل كرافعة قوية تعزز كفاءته وتوسع نطاق قدراته المهنية.
للرجوع إلى التقرير الأصلي راجع الرابط الآتي :
https://www.synthesia.io/post/state-of-instructional-design-survey
جوانب قوية ومهمة في التقرير
- عينة مهنية ومتنوعة من ممارسي التصميم التعليمي ومطوري المحتوى الرقمي
- شارك في المسح أكثر من 400 محترف في تصميم التعليم من قطاعات متنوعة: مصممون بدوام كامل، خبراء محتوى (SMEs) يصممون دورات ضمن مسؤولياتهم، مستقلّون (Freelancers)، مدراء، مؤسّسون، مطوّرون، وغيرهم.
- هذا التنوع يُعزز مصداقية النتائج ويُظهر أن الدراسة لا تقتصر على بيئة مؤسسات معينة أو نوع واحد من مصممي التعليم. بالتالي، تعكس بيانات تمثيلية لواقع مهني أوسع.
- تسليط الضوء على التحول التكنولوجي وتأثير أدوات الذكاء الاصطناعي
- أظهرت النتائج أن ChatGPT يتصدر أدوات الذكاء الاصطناعي التي تم تجريبها (84%)—والأكثر استخدامًا فعليًا.
- كذلك، أداة Synthesia نفسها حازت على حصة استخدام معتبرة (59%) وكانت ثاني أكثر أدوات AI استخدامًا.
- هذا التأكيد يبيّن أن المصممين لا يتعاملون مع AI كـ «تقنية تجريبية» فحسب، بل كجزء من روتينهم المهني — ما يشير إلى تحوّل جوهري في ممارسات التصميم التعليمي.
- تغيّر في معايير تقييم نجاح التصميم التعليمي
- وفق نتائج المسح، مقياس “أداء المتعلّم” (مثل التحسين في الأداء الوظيفي أو الدرجات الأكاديمية) أصبح هو الأكثر استخدامًا لتقييم نجاح التصميم — أعلى من مؤشرات مثل معدّل إكمال الدورة أو نتائج الاختبارات.
- هذا تحوّل ذو دلالة إلى ما يُمكن تسميته “تصميم تعليمي موجه بالأداء” (Performance-Based Instructional Design) — حيث تهم النتائج الواقعية والمتعلقة بالأداء أكثر من مجرد الانتهاء من الدورة أو التقييم النظري.
- معلومات مفصلة حول عبء العمل وحجم المشاريع
- يكشف التقرير أن مصممي التعليم غالبًا يديرون عدة مشاريع دفعة واحدة (متوسط ~3 مشاريع في وقت واحد) ، ويكملون في المتوسط نحو 15–16 مشروعًا سنويًا.
- كما يبيّن أن غالبية المشاريع تستغرق بين 21–50 يومًا أو أكثر لإنجازها، وأن الجزء الأكبر من الوقت يُستهلك في التطوير وإنتاج المحتوى/الفيديوات ( scripts, video production)، وليس فقط في التخطيط أو التصميم نظريًا.
- هذه الأرقام مفيدة جدًا لفهم واقع العمل العملي لمصمم التعليم — ليس فقط من ناحية الإنتاج، بل من حيث الضغط الزمني، والتوزيع المهني، وإدارة الموارد.
نقاط تتطلب الحذر أو توضيحًا إضافيًا

- اعتماد كبير على أدوات الذكاء الاصطناعي — لكن مدى التأثير الحقيقي لم يُقَسَّ بشكل متعمق
- بالرغم من أن الأدوات مثل ChatGPT وSynthesia تُستخدم على نطاق واسع، إلا أن التقرير لا يقدم قدرًا كبيرًا من البيانات الموضوعية حول «مدى فعالية» هذه الأدوات من حيث نتائج تعلم المتعلمين، أو مقارنة بالممارسات التقليدية.
- مثلاً، الفقرة التي تشير إلى أن بعض المصممين لاحظوا “تخفيض 50–60٪ من وقت إنتاج الفيديو” باستخدام Synthesia. ولكن لا تتوفّر بيانات عرضية (pre-post) عن جودة التعلم أو مؤشرات أداء المتعلمين.
- بالتالي، من المهم ألا يُفسَّر الاستخدام العالي للأداة بالضرورة على أنه “ضمان لجودة تعليمية أفضل” — فالذكاء الاصطناعي قد يُسرّع عملية الإنتاج، لكنه ليس بديلاً صغيرًا دائمًا عن التصميم البيداغوجي المدروس والعناية بمبادئ التعلم.
- الشركة التي تقدم تطبيق Synthesia هي الداعمة للدراسة الحالية وبالتالي تجاهلت تطبيقات أخرى منافسة.
- تركيز محدود على تحليل و تقويم التعلم
- حسب التقرير، مصممو التعليم يخصصون أقل وقتهم للتحليل (analysis) والتقييم (evaluation) مقارنة بالتطوير والتنفيذ.
- هذا معناه أن عمليات بناء الاحتياجات، تصميم الأهداف التعليمية، التقويم البنائي، تجريب واختبار المحتوى — وهي من أهم مكونات التصميم التعليمي المدروس (كما في نموذج مثل ADDIE Model) — قد تُهمَّش لصالح تسريع إنتاج المحتوى. وهذا قد يضعف عمق تصميم التعلم وجودة المخرجات التعليمية من حيث بلورتها البيداغوجية.
- تفاوت في التعاون مع خبراء المحتوى (SMEs)
- وجد المسح أن غالبية المصممين يعملون مع خبراء المحتوى (Subject Matter Experts) أقل من نصف الوقت في معظم المشاريع.
- هذا يمكن أن يؤدي إلى مشكلتين: نقص دقة المحتوى أو عمقه (إذا لم تتوفر مشاركة كافية لـ SMEs)؛ أو فرض عبء إضافي على المصمم لتغطية جوانب محتوى ربما ليست ضمن تخصصه.
- في سياق الاعتماد على AI لتوليد المحتوى، هذا قد يطرح أسئلة عن أصالة المحتوى وجودته الأكاديمية أو المهنية، خصوصًا في التخصصات الدقيقة أو المتخصصة.
- المسح يعكس غالبًا واقع محترفين يعملون في مؤسسات كبيرة أو ضمن «Enterprise Skew»
- رغم أن الدراسة تدّعي تنوع المشاركين، غالبية المستجيبين ربما يعملون في مؤسسات كبيرة (كما هو الحال مع عينة من مجتمع Synthesia والمهتمين بـ L&D). هذا قد لا يعكس بالضرورة واقع المصممين في مؤسسات تعليمية صغيرة، مدارس، أو بيئات تعليم غير ربحية أو دول ذات موارد محدودة.
- وبالتالي، نتائج المسح قد تكون منحازة نحو بيئات مهيأة جيدًا تقنيًا وماليًا، وليست قابلة للتعميم على كل البيئات.
كلمة أخيرة
تقرير “The Future of Instructional Design: 2024 Survey Insights” من Synthesia يُمثل إسهامًا مهمًا لفهم كيف يشهد مجال التصميم التعليمي تحولات فعلية نحو دمج أدوات الذكاء الاصطناعي. البيانات تعبّر عن واقع مهني متغير، حيث السرعة، الكفاءة، التخصيص، وإنتاج الفيديو التعليمي أصبحت متاحة بسهولة أكثر من أي وقت مضى.
لكن في المقابل، يبقى السؤال عن مدى عمق التصميم التعليمي وجودة المخرجات التعليمية مفتوحًا. الاستخدام المتزايد للأدوات الذكية لا ينبغي أن يُعَوَّض عن التخطيط التربوي الجيد، تحليل الاحتياجات، وتقييم فعّال. لذا على مصمم التعليم — خاصة من يعمل في مؤسسات تعليمية — أن يتبنّى مقاربة نقدية ومتوازنة:
اِسْتَخْدِم الذكاء الاصطناعي كأداة — لا كبديل.
العرض السابق ليس ترجمة للتقرير ولا يغني عن قراءة التقرير الأصلي بل مجرد تعليق ورؤية نقدية للكاتب .
بوابة تكنولوجيا التعليم أول بوابة عربية تهتم بتكنولوجيا التعليم والتعليم الإلكتروني منذ عام 2003

