شرح وتعليق : د. مصطفى جودت صالح
في البداية أحب أشير إلى أني لست من المغرمين أو المؤيدين لتصنيف بلوم في صورته الكلاسيكية وقد طرحت هذا في أكثر من مقال سابق ، لكن بلا شك فإن لهذا التصنيف مؤيديه ، وقد وقع أمامي التصنيف التالي مصادفة والذي يهدف إلى ربط أدوات الذكاء الاصطناعي بتصنيف بلوم المعرفي ومستويات عمق المعرفة (DOK).
مستويات عمق المعرفة (DOK) هي إطار تربوي يحدد درجة التعقيد المعرفي المطلوبة لإنجاز مهمة تعليمية، وليس نوع المهارة نفسها. وتتدرج هذه المستويات من DOK 1 الذي يركز على التذكر والاستدعاء البسيط للمعرفة، إلى DOK 2 الذي يتطلب الفهم والربط بين المعلومات، ثم DOK 3 الذي يشمل التحليل والتفكير الاستراتيجي وحل المشكلات متعددة الخطوات، وصولًا إلى DOK 4 الذي يمثل أعلى مستويات التعقيد من خلال مهام تتطلب البحث العميق، ودمج مصادر متعددة، وتصميم حلول أو منتجات أصلية. ويُعد هذا الإطار أداة مهمة لقياس مدى عمق التفكير المطلوب من المتعلم وتوجيه تصميم الأنشطة التعليمية بشكل دقيق.
فنتيجة تنامي استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال التعليمي بشكل غير مسبوق، وجد المختصون أنفسهم مدفوعون إلى البحث عن أطر منهجية تساعدهم على توظيف هذه الأدوات بصورة تربوية مدروسة. ويأتي الدمج بين تصنيف بلوم المعرفي ومستويات عمق المعرفة (DOK) ليشكل رؤية واضحة حول كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لدعم التعلم في مختلف مستوياته، من التذكر والفهم إلى الإبداع والتقييم.

يعرض الجدول السابق تصورًا بصريًا حول توزيع الأدوات والتقنيات وفق مستويات التفكير المطلوبة. وفيما يلي شرحًا تفصيليًا لمحتوى هذا الإطار.
أولًا: مستوى “التذكر” — Remember
يرتبط هذا المستوى بالمعارف الأساسية وقدرة المتعلم على استرجاع المعلومات دون الحاجة إلى تفسيرها. ويُصنّف ضمن مستوى DOK الأول (الاستدعاء)، والذي يركز على تكرار الحقائق والإجراءات البسيطة.
ما يتضمنه هذا المستوى:
- تكرار الحقائق والتعاريف
- سرد القوائم والمصطلحات
- تنفيذ خطوات أو إجراءات بسيطة
أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة:
من بينها Quizlet، Padlet، Kahoot، وQuizGPT، وهي أدوات تدعم التكرار والمراجعة السريعة عبر أنشطة تفاعلية وبطاقات تدريب.
ثانيًا: مستوى “الفهم” — Understand
يقع في مستوى DOK الثاني (المهارات والمفاهيم)، ويهدف إلى تمكين المتعلم من استيعاب الأفكار وربطها وتنظيمها.
ما يتضمنه هذا المستوى:
- المقارنة بين الأفكار
- تلخيص المعلومات
- تنظيم البيانات في فئات
- تفسير العلاقات السببية
- إجراء تنبؤات بسيطة
أدوات الذكاء الاصطناعي الداعمة:
مثل Notion AI، ChatGPT، Claude، Gemini، Perplexity.
تساعد هذه الأدوات في إعادة صياغة المعلومات، وشرح المفاهيم، وتوفير ملخصات واضحة ومركزة.
ثالثًا: مستوى “التطبيق” — Apply
يُصنف ضمن مستوى DOK الثالث (التفكير الاستراتيجي)، والذي يتطلب من المتعلم استخدام المعرفة المكتسبة لحل مشكلات جديدة.
ما يتضمنه:
- حل مشكلات غير مألوفة
- تقديم تبريرات مدعومة بالأدلة
- تصميم استقصاءات صغيرة
- تقييم البدائل والاختيار بينها
أبرز الأدوات:
ChatGPT، NotebookLM، MirrorTalk، Claude، Elicit، Ideogram
تتيح هذه الأدوات محاكاة مواقف تطبيقية، وتوليد حلول، ودعم عمليات الاستقصاء والتحليل.
ابعًا: مستوى “التحليل” — Analyze
يمثل مستوى DOK الرابع (التفكير الممتد)، ويُعد من المستويات العليا التي تتطلب مهامًا مركّبة وطويلة الأمد.
ما يتضمنه هذا المستوى:
- دمج المعرفة من مصادر متعددة
- تنفيذ مشاريع طويلة المدى
- نقل وتطبيق الحلول في سياقات جديدة
أدوات معززة لهذا المستوى:
NotebookLM، SciSpace، Elicit، DocAnalyzer
وهي أدوات تساعد على تحليل النصوص والمصادر، واستخلاص العلاقات، وتوليد رؤى بحثية معمقة.
خامسًا: مستوى “الإبداع” — Create
يركز هذا المستوى على إنتاج المعرفة وليس مجرد استهلاكها، ويشمل الابتكار وتوليد الأفكار والحلول الجديدة.
ما يتضمنه:
- ابتكار منتجات وأفكار جديدة
- إعادة دمج الأفكار بطرق مبتكرة
- تصميم حلول أو نماذج إبداعية
الأدوات المساندة:
Curipod، Gamma، Canva، Jenni، FigJam، Scholarly
تساعد هذه الأدوات المتعلم على إنتاج محتوى أصلي، وتصميم عروض، وتطوير مشاريع إبداعية.
سادسًا: مستوى “التقييم” — Evaluate
يُعد هذا المستوى ذروة التفكير النقدي، حيث يُطلب من المتعلم إصدار أحكام مستندة إلى معايير واضحة.
ما يتضمنه:
- اتخاذ قرارات مبنية على الأدلة
- نقد الأفكار والمنتجات
- توظيف المعايير والمقاييس في التقييم
أدوات الذكاء الاصطناعي المناسبة:
Litmaps، Pictory، Elevenlabs، Canva، Otio AI
وتساعد في تحليل الأدلة، وتقييم جودة الأعمال، وإنتاج محتوى داعم لعملية الحكم والتقويم.
نقد النموذج السابق
1. استخدام تصنيف بلوم الكلاسيكي بدلًا من النسخة المعدّلة (Revised Bloom’s Taxonomy)
أبرز إشكاليات النموذج أنه اعتمد تصنيف بلوم القديم (1956) الذي يصنف المهارات إلى:
تذكر – فهم – تطبيق – تحليل – تركيب – تقييم
بينما نسخة أندرسون وكرواثول المعدّلة (2001) هي المعتمدة عالميًا اليوم، وتقوم على محورين:
أ- بُعد العمليات المعرفية:
- تذكر
- فهم
- تطبيق
- تحليل
- تقييم
- إبداع (Create) — وهو أعلى مستوى، تم استبداله بـ “التركيب” في النسخة القديمة
ب- بُعد المعرفة:
- معرفة واقعية (Factual)
- معرفة مفاهيمية (Conceptual)
- معرفة إجرائية (Procedural)
- مستوى ماوراء المعرفة (Meta-cognitive)
أثر هذا الخطأ على النموذج:
- عدم إدراج البعد الثاني (Dimension of Knowledge) أدى إلى تجاهل جانب مهم من توظيف الذكاء الاصطناعي في دعم المعرفة فوق المعرفية مثل التخطيط، مراقبة التعلّم، والتقييم الذاتي.
- الاستمرار باستخدام مستويات بلوم القديمة يؤدي إلى تصنيف غير دقيق للمهام، خاصة في “الإبداع” الذي تغيّر موقعه في النسخة الحديثة.
- يعتمد الذكاء الاصطناعي كثيرًا على عمليات فوق معرفية، وهو ما لم يُعالج في النموذج رغم أهميته.
2. الخلط بين بلوم وعمق المعرفة DOK بدون توضيح فلسفة كل منهما
النموذج دمج التصنيفين بطريقة تبدو منسجمة بصريًا لكنها غير دقيقة تربويًا لأن:
- DOK لا يهتم بطبيعة المهارة بقدر ما يهتم بدرجة تعقيد المهام.
- بينما بلوم يهتم بنوع المهارة المعرفية بحد ذاتها.
مثال:
قد يقع “التذكر” في DOK 1، لكن “التقييم” يمكن أن يكون DOK 2 أو 3 أو حتى 4 حسب تعقيد المهمة.
النتيجة:
تم وضع مستويات بلوم في طبقات ثابتة داخل DOK، وكأن العلاقة خطية، بينما هي علاقة متقاطعة وغير متطابقة.
3. الاعتماد على أمثلة أدوات ذكاء اصطناعي بدون ربطها بمهام تعلم محددة
ذكر النموذج أسماء أدوات كثيرة، لكن:
- لم يوضّح ما المهمة التعليمية التي تقوم بها كل أداة داخل المستوى المعرفي.
- تجاهل أن كثيرًا من الأدوات متعددة الاستخدامات ويمكن توظيفها في أكثر من مستوى.
- التركيز على الأدوات بدل العمليات المعرفية، مما يجعل النموذج سريع التقادم مع تغيّر الأدوات.
4. غياب توضيح كيف ينتقل المتعلم بين المستويات
بلوم المعدّل يوضّح انتقالًا من المعرفة الواقعية إلى الفوق معرفية، ومن العمليات البسيطة إلى الأعلى.
لكن النموذج السابق:
- عرض المستويات ككيانات منفصلة
- لم يشرح كيفية تحقيق المسارات (Learning Pathways) بين المستويات
- لم يبيّن كيف يمكن للذكاء الاصطناعي تطوير مهارات أعلى من خلال مهام موجهة
وبذلك فقد عنصرًا مهمًا في التصميم التعليمي.
5. غياب تضمين مهارات القرن 21 والذكاء الاصطناعي التوليدي
لم يربط النموذج بين بلوم المعدل ومهارات حديثة مثل:
- التفكير الحاسوبي
- البحث الذكي (AI-enabled research)
- مهارات التحقق من صحة المعلومات
- المهارات فوق المعرفية في استخدام الذكاء الاصطناعي
وهذه مهارات لا يمكن تجاهلها في بيئة تعليمية تعتمد على AI.
مما تقدم يمكن القول النموذج السابق مفيد كبداية، لكنه يعاني من 3 مشكلات رئيسية:
- تصنيف الأدوات بدل المهام التعليمية، مما يقلل من القيمة التربوية للنموذج.
- خطأ منهجي في اعتماد بلوم الكلاسيكي بدل المعدل، ما يؤدي إلى سوء تصنيف بعض المهارات خصوصًا “الإبداع” و”التركيب”.
- دمج غير دقيق بين DOK وبلوم دون الإشارة إلى اختلاف فلسفة كل منهما.
ورغم النقد السابق إلا أن هذا العمل عالج نقطة مهمة وهي الجمع بين تصنيف بلوم ومستويات DOK في تخطيط تعلم عميق مدعوم بالذكاء الاصطناعي، بحيث لا يقتصر توظيف الأدوات على الجانب السطحي للتعلم، بل يمتد لدعم التفكير التحليلي والإبداعي والنقدي. يقدم هذا الإطار خريطة تُمكّن المعلمين والمصممين التعليميين من اختيار الأدوات الأنسب لكل نشاط، وضمان تحقيق أهداف التعلم وفق مستويات معرفية واضحة ومتكاملة.
Martin, M. (2016). Blending instruction with technology: A blueprint for teachers to create unique, engaging, and effective learning experiences. Rowman & Littlefiel
بوابة تكنولوجيا التعليم أول بوابة عربية تهتم بتكنولوجيا التعليم والتعليم الإلكتروني منذ عام 2003




